جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
يشهد التهديد البحري الروسي تجاه أوروبا تصاعدًا ملحوظًا، مع تكثيف موسكو تحركات سفنها الحربية في بحر البلطيق والممرات البحرية الاستراتيجية. ويثير ظهور فرقاطات روسية مسلحة بصواريخ بعيدة المدى وفرط صوتية قرب السواحل الألمانية مخاوف بشأن أمن دول الناتو وحرية الملاحة
ظهور سفينة تابعة للبحرية الروسية بالقرب من ألمانيا
ظهرت سفينة تابعة للبحرية الروسية في أغسطس من العام 2026 بالقرب من جزيرة فيهمارن الألمانية في بحر البلطيق. وذكرت صحيفة “تلغراف” البريطانية أن السفينة قد تكون الفرقاطة “أدميرال كاساتونوف”، التي يُقال إنها مزودة بصواريخ كروز وصواريخ “زيركون” فرط صوتية قادرة على حمل رؤوس نووية. كانت السفينة تبحر في بحر البلطيق، وهو ممر مهم لحركة التجارة والتحركات العسكرية.
وتنتمي “أدميرال كاساتونوف” إلى الأسطول الشمالي الروسي، وتُعد واحدة من السفن الحربية الأكثر حداثة في البحرية الروسية. ودخلت الخدمة عام 2020، ويمكنها، وفقًا لما أوردته “تلغراف”، تنفيذ هجمات على مسافات بعيدة، فضلًا عن مكافحة الغواصات. ولم يتضح ما إذا كانت السفينة قد بقيت بالقرب من فيهمارن بعد رصدها الأول.
أشارت بيانات حركة الملاحة البحرية إلى أن جهاز الإرسال الخاص بتحديد موقع الفرقاطة ربما كان مغلقًا. تكتسب واقعة الرصد أهمية خاصة بسبب تسليح السفينة بصواريخ “زيركون” فرط الصوتية، التي يُقال إن مدى وصولها يبلغ نحو 1,000 كيلومتر. وبذلك يمكن أن تقع عدة دول أعضاء في حلف الناتو ضمن نطاقها انطلاقًا من غرب بحر البلطيق، من بينها ألمانيا والدنمارك والسويد وبولندا. وقد استخدمت روسيا صواريخ “زيركون” بالفعل في الحرب ضد أوكرانيا.
موسكو تهدد بعد عمليات تفتيش السفن
جاء رصد السفينة بعد تهديدات حادة صدرت من موسكو ضد بريطانيا ودول في الاتحاد الأوروبي. وتأتي هذه التهديدات على خلفية عمليات تفتيش ومصادرة سفن تعتبرها الدول الغربية جزءًا مما يسمى “أسطول الظل” الروسي. وتحاول روسيا، وفقًا للتقييمات الغربية، من خلال هذه الشبكة التي تضم غالبًا ناقلات وسفن شحن قديمة، الالتفاف على العقوبات ومواصلة نقل النفط وسلع أخرى.
وكانت بريطانيا وفرنسا قد فتشتا أو احتجزتا خلال العام 2026 عدة سفن من هذا النوع. ووفقًا لصحيفة “تلغراف”، تحركت قوات بريطانية في يونيو من العام 2026 ضد السفينة “سمرتوس”، التي كانت قد رست قبالة الساحل الجنوبي لإنجلترا. وكانت فرنسا قد فتشت في وقت سابق سفينة أخرى في المحيط الأطلسي يُشتبه في انتمائها إلى “أسطول الظل” الروسي. ووصفت موسكو هذه الإجراءات بأنها غير قانونية وشكل من أشكال القرصنة.
روسيا مستعدة لاتخاذ إجراءات ضد أوروبا
كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أعلن في أغسطس من العام 2026، خلال زيارة إلى سفينة حربية، أن روسيا مستعدة لاتخاذ إجراءات مضادة إذا صادرت الدول الغربية سفنًا مرتبطة بروسيا. كما هدد الرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف، الذي يشغل حاليًا منصب نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، بشن هجمات على السفن التجارية التابعة لدول تعتبرها روسيا خصومًا لها.
وأشار أيضًا إلى السفن الموجودة في المياه المحايدة، إذا كانت تنقل، وفقًا للرواية الروسية، شحنات تخدم مصالح الخصم. ووفقًا لصحيفة “تلغراف”، فإن “أدميرال كاساتونوف” هي ثاني سفينة حربية روسية تُرصد في بحر البلطيق خلال أغسطس من العام 2026. ففي نهاية يوليو من العام 2026، ظهرت في المنطقة، بحسب الصحيفة، المدمرة “أدميرال ليفتشينكو”.
أهمية دول البلطيق والدور الألماني
تقع إستونيا ولاتفيا وليتوانيا على الجناح الشرقي لحلف الناتو. وانضمت دول البلطيق إلى الحلف عام 2004. وتؤدي القوات المسلحة الألمانية “البوندسفير” دورًا مهمًا في الدفاع عن أراضي هذه الدول. ففي عام 2023، اتُخذ قرار بنشر لواء ألماني بصورة دائمة في ليتوانيا. ومن المقرر أن يصبح لواء الدبابات الألماني، الذي يجري تشكيله حاليًا، جاهزًا للعمل بحلول نهاية عام 2027.
تنامت التحذيرات الاستخباراتية بشأن خطط روسية محتملة لاستهداف البنية التحتية الحيوية لحلف شمال الأطلسي، بالتزامن مع تزايد مخاوف دول البلطيق وبولندا من محاولات موسكو المتكررة لاختبار آليات الدفاع المشترك لحلف شمال الأطلسي. حذّر رئيسا ليتوانيا ولاتفيا في 15 يوليو من العام 2026، بناءً على تقارير استخباراتية، من أن روسيا تخطط لشن هجمات على بنية تحتية حيوية في دول البلطيق أو بولندا.
وقال الرئيس الليتواني غيتاناس نوسيدا في مؤتمر صحفي مشترك في فيلنيوس مع نظيره اللاتفي إدغارس رينكيفيتش: “نحن نتحدث عن بنية تحتية للطاقة والنقل، منشآت يمكن أن يؤدي إلحاق الضرر بها إلى، تعطيل عمل نظام الطاقة بأكمله”.
وأضاف: “هذا التخطيط يجري على أعلى مستوى، وتحديداً في موسكو”. حذّر رينكيفيتش من أن منطقة البلطيق إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، والتي تعد جميعها مثل بولندا أعضاءً في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) يجب أن تكون مستعدة لإجراءات استفزازية من جانب روسيا تسعى من خلالها إلى “اختبار” معاهدة الدفاع المشترك للتحالف في ظل حربها المستمرة في أوكرانيا. وقال: “حتى دون تحقيق نصر أوكراني كامل، قد تختبر روسيا بشكل غير مباشر المادة الخامسة وآليات الاستجابة على مستوى التحالف والاتحاد الأوروبي”.
روسيا قد تحاول اختبار الناتو
تعتبر هذه التحذيرات الأحدث في سلسلة من الإنذارات الصادرة عن قادة على طول الجناح الشرقي لحلف الناتو والذين يشيرون إلى أن روسيا قد تحاول اختبار التحالف مع استمرار حرب أوكرانيا لأكثر من أربعة أعوام. وفي أواخر يونيو من العام 2026، قال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك في مؤتمر صحفي: “يمكن توقع أنواع مختلفة من التصعيد خلال العام 2026″، وصفاً الوضع بأنه “غير مستقر للغاية”.
وقد ربط مسؤولون من دول البلطيق وبولندا بالفعل روسيا بعدة حوادث شملت حرقاً عمداً، وهجمات سيبرانية، وعمليات تخريب على خطوط السكك الحديدية. وقال الرئيس الليتواني إن بلاده عززت حماية بنيتها التحتية للنقل والطاقة استجابة لهذه التهديدات.
الضغوطات الأوروبية تدفع موسكو نحو اختبار الناتو
يقول غاري كاسباروف المعارض الروسي إن الضغط سيدفع موسكو نحو اختبار جديد للغرب. لا ينوي فلاديمير بوتين إبرام اتفاق سلام مع أوكرانيا، ومن المرجح بدلاً من ذلك أن يصعد حربه بعد الانتخابات البرلمانية في موسكو في سبتمبر من العام 2026، تأتي تحذيرات المعارض في وقت تكثف فيه أوكرانيا هجماتها على اللوجستيات العسكرية والبنية التحتية للطاقة في روسيا، وهي خطوة قال وزير الخارجية الإستوني مارغوس تساكنا إنها جعلت روسيا “أضعف” وتأمل كييف أن تمنحها اليد العليا على طاولة المفاوضات.
ومع ذلك، يرى كاسباروف أن الضغط المتزايد يجعل بوتين أكثر عرضة للتصعيد بدلاً من المساومة، وأن أي تسوية دون هزيمة روسية ستمنح موسكو ببساطة وقتاً لإعادة تجميع صفوفها. وأضاف كاسباروف أنه يتوقع أن تشمل مثل هذه الخطوة توغلاً في دولة تقع على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مثل لاتفيا أو إستونيا، بهدف اختبار ما إذا كان الأعضاء الآخرون في التحالف وخاصة الولايات المتحدة سيردون.
أشار إلى التغييرات القانونية المقترحة من قبل الحكومة الروسية والتي تسهل تعبئة القوات من خلال إلغاء الفحص الطبي الذي كان مطلوباً في السابق لتجنيد الجنود، كإشارة واضحة على أن موسكو تستعد لمزيد من الصراع. وقال: “لا توجد إشارة واحدة في تصرفات الحكومة الروسية، أو في خطابات بوتين” تدل على أن الكرملين يستعد للسلام، مضيفاً أن جميع المؤشرات تشير إلى اتجاه واحد فقط: “حرب، حرب، حرب، حرب”.
ورفض كاسباروف الحجة القائلة بأن روسيا تفتقر إلى الموارد لفتح جبهة أخرى. وقال إن موسكو لن تحتاج إلى شن غزو شامل لتقويض مصداقية الناتو، بل يمكنها بدلاً من ذلك الاستيلاء على بلدة حدودية صغيرة ربما بلدة ذات غالبية سكانية تتحدث الروسية والانتظار لرؤية رد فعل التحالف. وتابع كاسباروف أنه إذا فشلت الولايات المتحدة بعد ذلك في المساعدة في الدفاع عن الدولة التي تعرضت للهجوم، فإن بوتين سيكون قد حقق هدفه: “لن يعود هناك وجود لحلف الناتو”.


