الأكثر قراءة

بحر قزوين: جسر الطاقة بين الشرق والغرب…

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تشهد منطقة آسيا الوسطى وجنوب القوقاز تحولات استراتيجية في قطاع الطاقة، حيث تتزايد أهمية الموارد النفطية والغازية وربطها بأسواق أوروبا والشرق الأوسط. ويبرز مشروع “أوستيرت” كنموذج حي لهذه التحولات، بعد توقيع اتفاقية ثلاثية بين شركة “بي بي” البريطانية (British Petroleum)، و”سوكار” الأذربيجانية، و”أوزبك” نفط غاز الوطنية.

ويقع مشروع “أوستيرت” في حوض” أوستيرت” بأوزبكستان، ويعد مشروعًا نفطيًا وغازيًا مشتركًا يركز على استغلال ستة حقول رئيسية. يهدف المشروع إلى تعزيز إنتاج الغاز والنفط المحلي، تأمين موارد الطاقة، وربط أسواق آسيا الوسطى بأوروبا عبر بحر قزوين.

اتفاقية ثلاثية لإحياء مشروع أوستيرت

أُعلن عن الاتفاقية خلال مؤتمر ومعرض النفط والغاز في طشقند في 12 مايو 2026، بعد توقف المشروع لعدة سنوات إثر انسحاب” بي بي” عام 2021 للتركيز على مشاريع خفض الانبعاثات الكربونية. أعادت اتفاقية تقاسم الإنتاج لعام 2025 إشراك “بي بي” في المشروع، بعد أن كانت” سوكار وأوزبك” نفط غاز قد تقاسمتا رأس المال بالتساوي. وبموجب البنود الجديدة، تمتلك بي بي 40% من المشروع، بينما تحتفظ كل من “سوكار” و”أوزبك” نفط غاز بنسبة 30% لكل منهما، مع استمرار سوكار كمشغل رئيسي.

الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية

يأتي مشروع أوستيرت في سياق سعي أوزبكستان لتعزيز أمنها الطاقي وجذب الاستثمارات الأجنبية، بعد انخفاض صادرات الغاز بنسبة 15% في الربع الأول من 2026، واضطرار البلاد لاستيراد الغاز بقيمة 361 مليون دولار. يتيح المشروع إعادة تنشيط الإنتاج المحلي وتأمين موارد الطاقة بشكل مستدام.

على الصعيد الإقليمي، يعكس المشروع استراتيجية متعددة المستويات تشمل إشراك شبكات الطاقة المحلية والأجنبية، توسيع التعاون عبر بحر قزوين، وتحفيز الاستثمارات الأجنبية، بالإضافة إلى تعزيز الثقة بين الدول المنتجة. ويُظهر المشروع أن أذربيجان وأوزبكستان أصبحتا شريكين استراتيجيين في تلبية الطلب الأوروبي على الطاقة، بعيدًا عن أي اعتماد أحادي على مصادر محددة.

تفاصيل التنقيب والموارد المتوقعة

تشمل الحقول الستة:( بويتراك، تيرينغقدوق، بيرقوري، خاروي، قوراقالبوك، وقولبوي) . وتُقدّر الموارد الإجمالية بحوالي 100 مليون طن نفط و35 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، بينما تشير تقديرات الهيئة الجيولوجية الأمريكية إلى وجود 2.4 مليار برميل نفط و2.4 تريليون قدم مكعب من الغاز في الحوض الشمالي الممتد بين أوزبكستان وكازاخستان.

بدأت الاختبارات الزلزالية بالفعل، ومن المقرر أن تنطلق عمليات التنقيب قريبًا لتعزيز إنتاج الغاز والنفط في أوزبكستان بعد تراجع الصادرات مؤخرًا.

أهمية بحر قزوين في الربط بين الشرق والغرب

يُعد بحر قزوين محورًا استراتيجيًا في منطقة آسيا الوسطى وجنوب القوقاز، إذ يربط بين مصادر النفط والغاز في دول مثل أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان وأسواق الطاقة الأوروبية والشرق أوسطية. وتتمثل أهميته في عدة محاور:

1-ممر للطاقة: يشكل البحر القزوين حلقة وصل بين مناطق الإنتاج الكبرى في آسيا الوسطى وأسواق الاستهلاك في أوروبا والشرق الأوسط، خصوصًا عبر خطوط الأنابيب مثل الممر الغازي الجنوبي الذي يربط بحر قزوين بتركيا واليونان.

2-تعزيز التعاون الإقليمي: يتيح للبلدان المنتجة تعزيز شراكاتها مع شركات دولية كبرى، مثل مشاركة “بي بي” البريطانية في مشروع “أوستيرت”، ما يدعم تبادل الخبرات التقنية والاستثمارية ويزيد من كفاءة الإنتاج.

3-تنويع مصادر الطاقة: يساهم البحر القزوين في تقليل الاعتماد على طرق الإمداد التقليدية وفتح مسارات جديدة للنفط والغاز، ما يعزز أمن الطاقة العالمي والإقليمي.

4-الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية: يمكن للدول المنتجة عبر هذا البحر زيادة صادراتها، تعزيز العوائد الاقتصادية، ورفع مكانتها الجيوسياسية كمورد رئيسي للطاقة، وهو ما يجعل البحر القزوين نقطة محورية في استراتيجيات الطاقة العالمية.

باختصار، يمثل بحر قزوين جسرًا حيويًا للطاقة بين الشرق والغرب، ويتيح للدول المنتجة تأمين مواردها، توسيع أسواقها، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي في قطاع الطاقة.

دور الشركات الأجنبية في تعزيز الربط الإقليمي

تمثل مشاركة” بي بي” فرصة لنقل الخبرات التقنية في الاستخراج التقليدي وغير التقليدي، بينما يعكس دور “سوكار” كمشغل رئيسي التزام أذربيجان بتوسيع وجودها في آسيا الوسطى وتعزيز الربط عبر بحر قزوين. ويُعد افتتاح المكتب التمثيلي الجديد “لسوكار ” في طشقند إشارة واضحة على جدية التعاون واستدامته.

كما يمثل المشروع فرصة لأذربيجان لتعزيز مكانتها اللوجستية كممر للطاقة بين الشرق والغرب، خصوصًا عبر ممر الغاز الجنوبي الذي يربط بحر قزوين بأوروبا مرورًا بتركيا واليونان، مما يزيد من أهميتها الاستراتيجية في أسواق الطاقة العالمية.

إعادة رسم خريطة الطاقة العالمية

يمثل مشروع “أوستيرت” خطوة نوعية في إعادة رسم خريطة الطاقة في المنطقة، من خلال ربط أسواق آسيا الوسطى بأوروبا، وإتاحة فرص جديدة للاستثمار والتجارة. ويؤكد المشروع التزام الشركات الغربية الكبرى مثل “بي بي” بتعزيز وجودها في الأسواق التقليدية للطاقة، وتنويع مصادر الطاقة، وفتح مسارات لوجستية بديلة لضمان استقرار الإمدادات.

كما يعكس المشروع أهمية التعاون الإقليمي في مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية، ويبرز قدرة الدول المشاركة على حماية مصالحها، وتأمين مواردها، وتعزيز مكانتها على خريطة الطاقة العالمية.

تأثير هذه المشاريع على روسيا وإيران

اتفاقية” أوستيرت “تؤدي إلى تنويع مسارات تصدير النفط والغاز وتقليل الاعتماد على خطوط أنابيب روسيا وإيران، مما قد يقلص حصة هذين البلدين في أسواق الطاقة الإقليمية والدولية، ويضعف تأثيرهما الاقتصادي والجيوسياسي، من خلال النقاط التالية:

أولاً: تأثير الاتفاقية على روسيا:

1-ضغط على دور روسيا كموصل للطاقة: لطالما سيطرت روسيا على خطوط أنابيب رئيسية لنقل الغاز والنفط من آسيا الوسطى إلى أوروبا. فاتفاقية “أوستيرت”، بمشاركة شركات غربية مثل “بي بي”، تعزز الطرق البديلة لنقل الطاقة بعيدًا عن شبكات روسيا، ما يقلل من احتكار موسكو للتصدير ويضعف نفوذها الاقتصادي والسياسي في أوروبا.

2-تحديات جيوسياسية: إن زيادة التنسيق بين أذربيجان وأوزبكستان وشركات غربية يعزز استقلالية آسيا الوسطى في قراراتها الطاقية، مما يحد من قدرة روسيا على فرض سياسات خارجية مرتبطة بالطاقة على المنطقة.

3-تعزيز المنافسة: مع دخول أسواق جديدة وخطوط أنابيب بديلة، قد تواجه الشركات الروسية منافسة مباشرة على الصعيد التجاري، خصوصًا في سوق الغاز الطبيعي الموجه لأوروبا، مما يضغط على إيرادات روسيا من التصدير.

ثانياً: تأثير الاتفاقية على إيران:

1-تحدي للنفوذ الإقليمي الإيراني: إيران تسعى عادة لتعزيز نفوذها في آسيا الوسطى وجنوب القوقاز عبر مشاريع مشتركة واستثمارات استراتيجية. دخول شركات غربية إلى أوزبكستان وأذربيجان يقلل من فرص طهران للسيطرة على أسواق الطاقة هناك ويحد من قدرتها على فرض سياسات اقتصادية أو سياسية.

2-خطر تقليص دورها كطرف إقليمي للطاقة: مشاريع مثل “أوستيرت” تُبرز بدائل فعالة للطاقة لا تعتمد على إيران، ما يقلل من اعتماد دول المنطقة على النفط والغاز الإيراني، ويحد من موقعها كممر أساسي للطاقة بين الشرق والغرب.

2-تأثير على المبادرات الإقليمية الإيرانية: دخول استثمارات غربية وشراكات مثل هذه قد يعقد الخطط الإيرانية للتوسع في القوقاز وآسيا الوسطى، خصوصًا إذا ما ارتبطت بمصادر تمويل وتكنولوجيا حديثة تنافس المشاريع الإيرانية التقليدية.

إن اتفاقية “أوستيرت” تمثل خطوة لتقليل الاعتماد على روسيا وإيران في نقل الطاقة من آسيا الوسطى إلى أوروبا، وتفتح الباب أمام تنويع المسارات الاستثمارية واللوجستية، ما يعزز استقلالية أذربيجان وأوزبكستان ويعطيهما دورًا أكبر كجسر للطاقة بين الشرق والغرب، مع تحديات واضحة لكل من موسكو وطهران على الصعيد الاقتصادي والجيوسياسي.

https://hura7.com/?p=80803

الأكثر قراءة