جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ قال ماتياس بلاتزيك، الرئيس السابق للحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، إنه ينبغي على ألمانيا أن تسعى جاهدة لتطبيع علاقاتها مع روسيا بعد انتهاء الصراع في أوكرانيا. وأضاف السياسي، في مقابلة مع محطة إذاعة RBB: “إذا تم التوصل إلى اتفاق سلام بشأن أوكرانيا في المستقبل المنظور… فسيكون من المستحسن لنا استعادة الاتصالات مع روسيا”.
وأشار بلاتزيك إلى أنه من الضروري الانطلاق من الواقع الحالي وإجراء حوار مع القادة الحاليين للدول، بدلا من انتظار تغيير السلطة لبدء المفاوضات. وفي مارس الماضي، صرح السفير الروسي لدى ألمانيا سيرغي نيتشاييف بأن موسكو مستعدة لبناء حوار بناء مع برلين قائم على المساواة والاحترام المتبادل ومراعاة مصالح البلدين. وفي الوقت نفسه، أشار السفير الروسي إلى غياب الإشارات من القادة الأوروبيين التي تدل على استعداد حقيقي للتفاوض مع روسيا.
وفي بداية مايو الجاري، حذر نيتشاييف من أن أي مواجهة عسكرية جديدة بين روسيا وألمانيا ستكون “كارثية وكابوسا”، مؤكدا أن انقطاع الحوار لا يخدم مصالح الجانبين. وقال نيتشاييف في مقابلة مع صحيفة “بر لينر تسايتونغ” أن الاتصالات مع الحكومة الألمانية شبه معدومة حاليا، لكن “الاستعداد للحوار يبقى موضع تقدير في جميع الأوقات”.
هل تعود العلاقات الألمانية الروسية؟
يتجاوز تصريح ماتياس بلاتزيك مجرد الرغبة الدبلوماسية العابرة، ليضع النخبة السياسية الألمانية أمام مواجهة حتمية مع الجغرافيا السياسية وحقائق التاريخ. لطالما كانت العلاقات الألمانية الروسية محوراً أساسياً للاستقرار في القارة الأوروبية، وتأكيد بلاتزيك على ضرورة استعادة الاتصالات يبرز تياراً فكرياً داخل برلين يرى أن القطيعة الدائمة مع موسكو تحمل أثماناً اقتصادية وأمنية باهظة لا يمكن لأوروبا تحملها على المدى الطويل. إن الدعوة إلى التخلي عن الأيديولوجيا والقبول بالواقع السياسي الحالي، بما في ذلك التفاوض مع القيادة الروسية القائمة دون اشتراط تغيير النظام، يمثل تحولاً جوهرياً نحو البراغماتية الصرفة، حيث تُبنى المصالح استناداً إلى الجغرافيا الثابتة لا المواقف السياسية المتغيرة، وهو ما يضع صُناع القرار في ألمانيا أمام اختبار حقيقي لمعادلة الجمع بين الالتزام تجاه الحلفاء الغربيين وحماية المصالح القومية العليا.
على الضفة الأخرى، تبدو الإشارات القادمة من موسكو، عبر تصريحات السفير سيرغي نيتشاييف، محاولة لرسم إطار جديد لتفاعلات المستقبل قائمة على الندّية والاحترام المتبادل، مع إلقاء الكرة في الملعب الأوروبي. إن تشخيص السفير لغياب الإشارات الحقيقية من القادة الأوروبيين يُظهر عمق الفجوة وال불قة الراهنة، لكنه في الوقت ذاته يبقي الباب موارباً لسيناريوهات ما بعد الحرب. موسكو تدرك تماماً الوزن الثقيل لألمانيا في المنظومة الأوروبية، وترى في استعادة الحوار معها مدخلاً رئيسياً لتفكيك حالة العزلة وصياغة أمن إقليمي جديد؛ لذا يأتي التركيز الروسي على مبادئ المساواة ومراعاة مصالح الطرفين كشرط أساسي لضمان ألا تكون العودة للمفاوضات مجرد إملاءات من طرف واحد، بل صفقة متوازنة تضمن استقراراً مستداماً للجميع.
تكتسب التحذيرات من مغبة الاستمرار في قطيعة تامة بُعداً مصيرياً عندما تُربط باحتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، والتي وُصفت بالكارثية والكابوسية بالنظر إلى الإرث التاريخي المعقد بين البلدين. إن الوضع الراهن الشبيه بالعدمية الدبلوماسية يتطلب حساً عالياً بالمسؤولية من الطرفين، فالأزمات الكبرى عبر التاريخ لم تجد حلولاً مستدامة إلا عندما تحلى القادة بالجرأة لفتح قنوات الاتصال خلف الكواليس حتى في ذروة الصراع. تظل حتمية الحوار هي المخرج الوحيد لتفادي الانزلاق نحو سيناريوهات غير محتومة النتائج، مما يفرض على برلين وموسكو، عاجلاً أم آجلاً، البحث عن صيغة تعايش جديدة تتجاوز آلام الحاضر لضمان أمن المستقبل الأوروبي.


