الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

برلين وواشنطن تقودان مشروع قرار يدين “الغموض النووي” لإيران

جريدة الحرة بيروت

وكالات ـ قادت ألمانيا، بالتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا فرنسا، تحركاً دبلوماسياً وسياسياً صارماً في العاصمة النمساوية فيينا، عبر تقديم مشروع قرار مشترك إلى مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويتهم هذا المشروع طهران بشكل صريح ومباشر بعدم الامتثال للالتزامات الدولية المترتبة عليها بموجب اتفاق الضمانات الأمنية الشاملة المرتبط بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

وأعربت برلين وحلفاؤها الغربيون في مسودة القرار عن قلقهم البالغ والعميق إزاء عجز الوكالة المستمر عن التحقق من طبيعة ومصير مواد نووية إيرانية معينة جرى الإعلان عنها منذ أكثر من عام دون تقديم إيضاحات كافية حولها. وشدد الجانب الألماني في هذا السياق على الأهمية القصوى لتقديم طهران معلومات شفافة، دقيقة، وكاملة وفورية تتعلق بكافة أرصدة المواد النووية والمرافق والمنشآت الحيوية ذات الصلة، مع السماح الفوري لمفتشي الدوليين بإجراء المعاينات والتحققات الميدانية اللازمة، مؤكدين جميعاً على أن هذا الاتفاق يمثل ركيزة أمنية دولية ملزمة ولا يمكن تعديل بنوده أو تعليق العمل بها من جانب واحد تحت أي مبرر كان.

في المقابل، واجهت العاصمة الإيرانية طهران هذه الضغوط المتصاعدة التي تقودها ألمانيا والقوى الغربية بهجوم سياسي مضاد ومكثف، حيث وصفت البعثة الإيرانية الدائمة لدى المنظمات الدولية في فيينا نص مشروع القرار بأنه “سياسي بامتياز، وغير مبرر، واستفزازي إلى أبعد الحدود”، معتبرة إياه محاولة مكشوفة لقلب الحقائق ونقل مسؤولية التصعيد والعدوان من الطرف المعتدي الحقيقي إلى الطرف الضحية. وفي “ورقة عمل غير رسمية” قامت البعثة الإيرانية بصياغتها وتوزيعها على الدول الأعضاء قبيل البدء في عملية التصويت المرتقبة، دفعت طهران بقوة بأن مدى التزامها بتعهداتها الفنية بموجب اتفاق الضمانات لا يمكن بحال من الأحوال تقييمه أو قراءته بمعزل عن البيئة الأمنية الإقليمية المعقدة السائدة حالياً، والظروف الاستثنائية وغير المسبوقة الناجمة عن الهجمات العسكرية المباشرة والتهديدات السيبرانية والأمنية المستمرة التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد المنشآت النووية والعلماء الإيرانيين.

وحملت طهران القوى الغربية المشتركة في صياغة القرار، وفي مقدمتها برلين، مسؤولية تجاهل الواقع الميداني الفعلي؛ مشيرة إلى أن التقرير الأخير الصادر عن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية نفسه يؤكد بوضوح أن الظروف الصعبة الحالية هي نتاج مباشر وتلقائي لتلك الاعتداءات العسكرية الخارجية. وأوضحت البعثة الإيرانية أن تعليق أنشطة التحقق وسحب المفتشين الدوليين من المواقع النووية لم يكن قراراً سيادياً أو رغبة أحادية من جانب الحكومة الإيرانية، بل كان إجراءً وقائياً اتخذته إدارة الوكالة الدولية نفسها استجابة للأوضاع الأمنية الطارئة ولحماية سلامة طواقمها ومفتشيها في ظل تلك التهديدات والضربات العسكرية، متهمة مسودة القرار الغربي بالتعامي المتعمد عن هذه الأزمة الأمنية المركبة ومحاولة تقديم تداعياتها الميدانية كأنها أدلة إدانة فنية ضد طهران.

ويعكس هذا التحرك الألماني الصارم والمندفع نحو التصعيد تحولاً جوهرياً وبنيوياً في السياسة الخارجية لبرلين تجاه الملف النووي الإيراني وتجاه قضايا الشرق الأوسط بشكل عام. فبعد أن تميزت الدبلوماسية الألمانية لسنوات طويلة بالميل نحو لعب دور “الوسيط العقلاني والمحايد”، وتفتح قنوات الحوار الدبلوماسي المرن والتفاوض متعدد الأطراف بهدف إنقاذ ما يمكن إنقاذه من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي لعام 2015)،

باتت الحكومة الألمانية اليوم تتبنى خطاً استراتيجياً أكثر تشدداً وتناغماً مطلقاً مع التوجهات الأمريكية الصارمة. ويرى العديد من الخبراء والمحللين السياسيين في برلين أن صناع القرار الألماني أصبحوا ينظرون إلى التجاوزات النووية الإيرانية المتراكمة، ورفع مستويات تخصيب اليورانيوم، كتهديد وجودي ومباشر ومنظومي للأمن القومي الأوروبي ولنظام حظر الانتشار العالمي، خصوصاً في ظل التحالفات الجيوسياسية الجديدة المتشكلة إقليمياً ودولياً، مما دفع برلين إلى مغادرة مقاعد الوساطة وقيادة جبهة الضغط والعقوبات داخل أروقة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

يضع هذا الصدام الدبلوماسي العنيف العلاقات الثنائية الألمانية-الإيرانية، ومجمل الاستقرار السياسي والأمني في منطقة الشرق الأوسط، أمام منعطف تاريخي حرج ومفتوح على كافة الاحتمالات. إن إصرار ألمانيا وحلفائها الغربيين على تمرير هذا القرار الصارم وإدانة طهران بشكل علني قد يدفع السلطات الإيرانية إلى اتخاذ خطوات راديكالية وردود فعل تصعيدية مضادة ومماثلة على الأرض، مثل إعلان الزيادة الفورية في نسب وكميات تخصيب اليورانيوم لتصل إلى مستويات قريبة من المتطلبات العسكرية، أو الذهاب نحو إلغاء وتجميد العمل ببروتوكولات التعاون مع الوكالة الدولية بشكل دائم ونهائي.

ومع تصاعد الاتهامات الإيرانية المباشرة لبرلين وواشنطن بالعمل على تسييس المنظمات الفنية الدولية وتحويل الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مجرد أداة طيعة لخدمة مصالح السياسة الخارجية لبعض القوى الكبرى، فإن هوامش المناورة المتاحة للحلول السلمية تضيق بشكل غير مسبوق، مما ينذر بانهيار تام لمسارات التفاوض القديمة ويفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات مواجهة شاملة ومباشرة تتجاوز حدود العقوبات الاقتصادية الخانقة لتصل إلى تبني تدابير سياسية وعسكرية وأمنية جماعية أكثر صرامة وخطورة.

https://hura7.com/?p=80148

الأكثر قراءة