جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ فوض رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الجيش بالصعود على متن ناقلات روسية واحتجازها باعتبارها جزءا من “أسطول الظل” الذي تستخدمه موسكو لتصدير النفط رغم العقوبات الغربية، بينما تستعد بريطانيا لرفع دعاوى جنائية ضد مالكي ومشغلي هذه السفن، في وقت منحت فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعفاء مؤقتا لشراء منتجات روسية خاضعة للعقوبات لتهدئة اضطرابات سوق الطاقة بسبب حرب إيران.
منح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الأربعاء تفويضا للجيش بالصعود على متن سفن روسية واحتجازها، وهي سفن تقول حكومته إنها جزء من شبكة ناقلات تمكن موسكو من تصدير النفط رغم العقوبات الغربية المفروضة عليها منذ غزو أوكرانيا. ويتماهى هذا التحرك مع جهود أوروبية متزايدة لتعطيل ما يعرف بـ”أسطول الظل” الروسي، الذي تعتمد عليه موسكو لتأمين عوائد نفطية تمول حربها المستمرة منذ أربع سنوات ضد أوكرانيا، بعيدا عن أنظمة الرقابة الغربية وسقوف الأسعار.
وبرر ستارمر قراره بالقول إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “من المرجح أن يكون سعيدا” بالارتفاع الحاد في أسعار النفط الناتج عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، معتبرا أن تشديد الضغط على الناقلات الروسية جزء من الرد على استغلال موسكو لهذه الأوضاع.
وفي بيان رسمي، شدد ستارمر على أن بريطانيا “تلاحق أسطول الظل بقوة أكبر”، ليس فقط من أجل حماية أمنها القومي، بل أيضا “لحرمان آلة الحرب التي يقودها بوتين من الأرباح القذرة التي تمول حملته الوحشية في أوكرانيا”، على حد تعبيره. ووفق الحكومة البريطانية، يستعد ضباط الجيش وأجهزة إنفاذ القانون للصعود على السفن الروسية التي تعد مسلحة أو ترفض الانصياع أو تستخدم تقنيات مراقبة وتخفي متقدمة لتفادي الاحتجاز، على أن ترفع لاحقا دعاوى جنائية ضد المالكين والمشغلين وأفراد الطواقم لانتهاكهم تشريعات العقوبات.
كما تشير لندن إلى أن اعتماد موسكو على أسطول الظل مكنها من نقل ما يقدر بنحو ثلاثة أرباع صادراتها من النفط الخام، رغم إدراج 544 سفينة ضمن لائحة العقوبات البريطانية، في وقت تعرضت فيه الجبهة الغربية لضغط إضافي بعد منح إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعفاء لمدة 30 يوما لشراء منتجات روسية خاضعة للعقوبات والعالقة في البحر بهدف تهدئة اضطرابات سوق الطاقة الناجمة عن حرب إيران.
صراع الإرادات بين التصعيد البريطاني والبراغماتية الأمريكية
يعكس التوجه البريطاني الجديد تحولاً جذرياً من “العقوبات الورقية” إلى المواجهة الميدانية المباشرة، حيث يمثل تفويض الجيش باحتجاز الناقلات الروسية مقامرة سياسية تهدف إلى سد الثغرات التي خلفها “أسطول الظل”. هذا التصعيد لا يستهدف فقط تجفيف منابع التمويل الروسي، بل يسعى أيضاً إلى استعادة زمام المبادرة الأوروبية في ملف الطاقة، ومحاولة فرض واقع ميداني جديد يمنع موسكو من استغلال الفراغ الرقابي في أعالي البحار. ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تضع لندن في مواجهة محتملة مع مخاطر أمنية وقانونية معقدة، خاصة إذا ما قررت موسكو الرد عسكرياً لحماية شريان حياتها الاقتصادي.
من جانب آخر، يكشف التباين بين التشدد البريطاني والمرونة الأمريكية المؤقتة عن تصدع واضح في وحدة الجبهة الغربية تجاه روسيا. فبينما تتبنى لندن لغة “الحرب الشاملة” اقتصادياً، تفرض الضرورات الداخلية في واشنطن — والناجمة عن تداعيات الحرب مع إيران — نهجاً براغماتياً يبحث عن تهدئة أسعار الطاقة حتى لو كان الثمن منح “قُبلة حياة” مؤقتة للصادرات الروسية. هذا التضارب في المصالح يمنح الكرملين مساحة للمناورة، حيث تستفيد موسكو من حاجة الأسواق العالمية للاستقرار لتفكيك حلقة الحصار الغربي، مما يطرح تساؤلات جدية حول مدى فاعلية “تحالف العقوبات” في ظل تضارب الأولويات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين.


