الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

بسام ضو – وقف إطلاق النار ومصالح الدول الفاعلة على المسرح السياسي اللبناني

الحرة بيروت – بقلم: بسام ضو، كاتب وباحث سياسي

تشهد الساحة اللبنانية منذ إقرار وثيقة الوفاق الوطني حركة عدم إستقرار سياسية قوامها حركة سياسية لا تتمتّع بالحرية السيادية ولا بصواب المواقف ولا بجرأة إتخاذ القرارات. وفي هذا الإطار تنامت الفوضى السياسية على المسرح السياسي اللبناني فكانت حركة تزوير للديمقراطية، ممّا أسفر عن طعن النظام الديمقراطي اللبناني. وهذا أمر يتناقض مع مقدمة الدستور اللبناني التي تُشدِّدْ على اعتماد هذا النظام.

وفقًا لعلم السياسة، يأخذ مبدأ عدم الإستقرار السياسي وما يترّتب عليه من آثار سلبية على كثير من المتغيّرات السياسية – الإجتماعية – الإقتصادية، والتي غالبًا ما تكون مواد  دسمة للنقاشات المستفيضة، وخاصة في ظل الفراغات الممنهجة في نظام الحكم اللبناني التي تؤدي إلى شلل المؤسسات الرسمية، ممّا يستتبِع تدخلات لعواصم القرار. وفي كل الأحيان يكون هذا التدخل لحساب مصالحها الخاصة على حساب مصلحة الوطن بكافة مؤسساته الشرعية، المدنية، والعسكرية.

لقد ترّتبَ على حالة الإستقرار القائمة تفّشي شعور بعدم اليقين بشأن مدى استقرار الإطار المؤسسي مثل الأنظمة التالية: السياسية – الأمنية – القضائية ومدى بقاء صانعي القرار في مراكزهم الرسمية سواء أكانوا نوابًا أو وزراء أو رؤساء أحزاب. ومن ثم عدم اليقين في إتخاذ تدابير أمنية صارمة لحفظ السلم الأهلي الداخلي ولحفظ السلم الإقليمي والدولي.

كما يؤثّرْ الشعور بعد اليقين في دوافع صنّاع السياسة إلى درجة دفعهم أحيانًا إلى إنتهاج مبدأ سياسي في صبغة العمالة، وغالبًا ما تخدم مواقفهم الغريب وتكون غير مؤثّرة على مستوى الأحداث التي تدور على المسرح السياسي اللبناني لأنها قصيرة النظر وهدفها المحافظة على المركز لأكبر فترة ممكنة، وتنفيذ ما يُملى عليهم من مواقف لأطراف تمسِكْ زمام الأمور سياسيًا وعسكريًا.

في الجمهورية اللبنانية حالات حروب بعضها محلّي – محلّي، وبعضها محلّي – إقليمي، وغيرها محلي – دولي. وهذا ما يجعلنا نستنتج أنّ الإستقرار الكامل بكافة صوره مع ما أُعْلِنَ من وقف لإطلاق النار بين الدولة اللبنانية ودولة إسرائيل بكافة صوره ومفاهيمه، بما يحمله من استقرار أمني مزّيف، هو انتقاص من السيادة الوطنية من حيث المبدأ. ذلك لأنّ الدولة اللبنانية تُدار بالإنابة والفاعلون على المسرح السياسي اللبناني يهتمّون بمصالحهم لا بالمصلحة اللبنانية.

ومن الناحية الدستورية هناك حالة انسداد في ممارسة العمل السياسي ممّا يحتّمْ القول أنّ الجمهورية اللبنانية غير قادرة على الإلتزام بالمبادىء التي أدْرِجتْ ضمن بنود الاتفاق، علمًا أنّ مساحة حركة الدولة محكومة بالتبعية وغير قادرة على الإيفاء بأي التزام لوقف إطلاق النار.

من المؤسف ألّا تمتلك الدولة اللبنانية بالشكل والمضمون الأداة الفاعلة لتنفيذ وقف إطلاق النار المُعلن، والذي على ما يبدو محصور بفترة زمنية لمدة شهرين، وحتى لدعمه عمليًا. كما لا تمتلك العدّة الكافية للتنفيذ. من هنا نستشهد بما أعلنته قيادة الجيش اللبناني عن رغبتها في التطويع، وهذا الأمر يستتبع سؤالاً جوهريًا يُطرح على المجلس النيابي وتحديدًا “لجنة الدفاع النيابية “: هل يُعقل في ظل هذه المرحلة التي كنتم خلالها شركاء في ممارسة العمل التشريعي (هذا إذا مارستموه) البقاء لآخر لحظة ليعلن الجيش عن الرغبة في التطويع؟

فعلاً إنه قصر النظر وحالات عدم المسؤولية التشريعية، كما عدم الإهتمام بالأمور الوطنية المحافظة على السيادة الوطنية المطلقة، عملاً بقانون الدفاع الوطني الذي يلحظ في مادته الأولى المحافظة على الدولة بواسطة قواها الشرعية دون أي شريك.

وقف إطلاق النار المعلن أتى نتيجة مصالح ملتبسة للدول الفاعلة على المسرح السياسي اللبناني (إيران – فرنسا – أميركا). وفي هذا السياق هناك صعوبة في فهم لعبة تقاطعات المصالح في السياسة الدولية – الإقليمية، ما ينتج عنها في المبدأ تفسيرات مختزلة وسطحية. خلاصة القول: “كلٌ يغنّي على ليلاه”.

إنّ سلوك الدول الثلاث يفسَّرْ بأنه عبارة عن مسرحية وأن الصراع القائم على الأرض الجنوبية هو نِتاج انتزاع مصالح بينهم. إنّ فهم واستيعاب هذه التقاطعات والتشابكات في العلاقة بين الدول الثلاث على الساحة اللبنانية ومعرفة دوافعها وعمقها ومداها وإدراك الدور الذي تؤدي شبكة مصالحها والقدرة على ممارسة الضغط على بعضها البعض، إضافةً إلى الممارسات المتناقضة في السلوكية والتي تُساهم في تغذية الصراع على أرض الجنوب والتي أدتّ إلى تدمير أغلبية قرى الجنوب وتضليل الرأي العام من قبل الدول الثلاث المتصارعة، والتي تحجب الوجهة الصحيحة التي تخدم مصلحة الجمهورية اللبنانية، هو أمر صعب على الدولة المحكومة بالإنابة والتي يسودها الفراغ في كل مؤسساتها.

وقف إطلاق النار ومصالح الدول الفاعلة على المسرح السياسي اللبناني هو أصعب اختبار لقدرة الجمهورية اللبنانية على فرض أمر منع إطلاق النار من قِبَلْ حزب الله المنخرط في هذا النزاع بتكليف شرعي من الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وهذا يعني أنّ الجمهورية اللبنانية غير قادرة على ضبط المُسلّحين. وبالتالي سيتعرّض وقف إطلاق النار لمزيد من الإنتكاسات، ما سينعكس سلبًا على الجمهورية اللبنانية المقصِّرة. إنّ الجمهورية اللبنانية غير قادرة بتركيبتها الحالية على تحقيق أي تقدّم، وهذا ما سبق وأن حصل في حرب تموز 2006.

إستنادًا لمبدأ العلوم السياسية، فإنّ الإستقرار السياسي هو من أهم وأسمى الأهداف، لكنه في الوقت نفسه من أصعب ما يمكن تحقيقه في دولة مثل لبنان لأنّ الدول الثلاث لا تقبل أي مشروع لا يرعى مصالحها وخصوصًا المشاريع الإستراتيجية. ولهذا، فإنّ وقف إطلاق النار سيبقى هشًا حيث لا يمكن إدراجه في خانة الحل المنطقي إلاّ بعد أن يتوّفر نظام سياسي لبناني قائم على الحرية، يعتمد على منهج سياسي ضمن ثلاثة مبادىء ألا وهي: منظومة سياسية ديمقراطية؛ منظومة أمنية تطبيقًا لقانون الدفاع الوطني الذي يحصر بمادته الأولى حماية الدولة بواسطة قواها الشرعية فقط؛ منظومة قضائية تحتكر الممارسة القضائية العادلة دون تدخل من أحد. شرط أن تكون هذه المنظومة السياسية تمتلك مهارات إدارة التوازنات وإدارة التناقضات وأن تمتلك مهارة الإحتواء، وإلاّ سيبقى وقف إطلاق النار عرضة للإنتهاكات ولتجهيل الفاعلين، وعرضة لمصالح الدول التي تتقاتل على الأرض اللبنانية.

https://hura7.com/?p=38573

 

الأكثر قراءة