جريدة الحرة بيروت

بقلم د. محمد حلاوي
تنعقد الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن الثلاثاء 23 حزيران وسط مشهد إقليمي مختلف تماماً عن ذلك الذي حكم الجولات الأربع السابقة. فالمفاوضات لم تعد تجري في ظل حرب مفتوحة بين إسرائيل ومحور المقاومة فحسب، بل باتت محكومة أيضاً بنتائج المسار الأميركي – الإيراني الذي انطلق في سويسرا وفرض وقائع جديدة على المنطقة، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية.
على مدى الأشهر الماضية، خاض لبنان المفاوضات تحت النار. كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف، والقرى تُهدم، والأراضي تُحتل، فيما كان الوفد اللبناني يكرر مطلباً واحداً: وقف إطلاق النار أولاً. لكن إسرائيل كانت ترفض ذلك، لأنها أرادت تحويل تفوقها العسكري إلى أداة ضغط سياسي داخل غرفة التفاوض.
اليوم تبدلت المعادلة.
مفاوضات سويسرا وتقويض الاستراتيجية الإسرائيلية
فالهدوء الذي ساد الجبهة اللبنانية منذ الأيام الثلاثة الأخيرة لم يكن نتيجة تفاهم لبناني – إسرائيلي، بل نتيجة مناخ سياسي جديد فرضته مفاوضات سويسرا. والأهم من ذلك أن الوفد الإيراني المفاوض أعلن صراحة أن استقرار الوضع الأمني في لبنان كان جزءاً من التفاهمات التي جرى الحفاظ عليها خلال المفاوضات مع الولايات المتحدة.
هنا تحديداً يبدأ المأزق الإسرائيلي.
طوال الأشهر الماضية حاولت تل أبيب إقناع واشنطن والعالم بأن الملف اللبناني منفصل عن أي تفاوض مع إيران. لكن ما حدث في سويسرا أطاح بهذه الفرضية بالكامل. فجأة وجدت إسرائيل نفسها أمام تفاهم إقليمي يتناول لبنان من دون أن تكون هي صاحبة القرار الوحيد فيه، وهو ما يفسر موجة الغضب غير المسبوقة التي صدرت عن مسؤولين إسرائيليين وصفوا نتائج سويسرا بأنها “كارثية” على إسرائيل والاخطر على مصالحها الاستراتيجية منذ تأسيس دولة اسرائيل.
الأخطر بالنسبة إلى تل أبيب أن التفاهم الأميركي – الإيراني سحب منها إحدى أهم أوراق القوة التي استخدمتها منذ بدء الحرب: ورقة الضغط العسكري. فحين يصبح وقف إطلاق النار مصلحة مشتركة لواشنطن وطهران، تتحول الحرب من أداة ضغط إسرائيلية إلى عبء سياسي على إسرائيل نفسها.
ولهذا السبب تحديداً بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية تتحدث عن ضرورة تسريع المفاوضات مع لبنان، وعن أهمية تنفيذ خطوات ميدانية يمكن تسويقها على أنها نتائج للتفاوض المباشر، لا استجابة لضغوط أميركية مرتبطة بمفاوضات سويسرا. بمعنى آخر، تحاول إسرائيل أن تخفي حقيقة واضحة: أنها لا تريد أن يبدو أي انسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وكأنه رضوخ لتفاهمات دولية وإقليمية فُرضت عليها.
التناقض الإسرائيلي: مناورات مكشوفة
ومن هنا يمكن فهم التناقض الإسرائيلي الصارخ. فالمسؤولون الإسرائيليون يكررون يومياً أنهم لا يملكون مطامع إقليمية في لبنان، لكنهم يرفضون في الوقت نفسه الانسحاب من المناطق التي يحتلونها. ويتحدثون عن احترام السيادة اللبنانية، لكنهم يتمسكون بما يسمونه “حرية الحركة” داخل الأراضي اللبنانية. ويقولون إن وجودهم العسكري مؤقت وأمني، ثم يعترفون عبر وسائل إعلامهم بأنه يشكل ورقة ضغط تفاوضية على الدولة اللبنانية.
هذا التناقض يكشف حقيقة أساسية: المشكلة لم تعد أمنية كما تدعي إسرائيل، بل أصبحت سياسية بامتياز.
الثوابت اللبنانية في واشنطن
لهذا فإن الخطأ الأكبر الذي يمكن أن يرتكبه الوفد اللبناني في واشنطن هو التعامل مع الانسحاب الإسرائيلي وكأنه موضوع قابل للمساومة. فالانسحاب ليس جائزة تمنحها إسرائيل إذا حصلت على مقابل سياسي، ووقف إطلاق النار ليس امتيازاً تمنحه تل أبيب للبنان، واحترام السيادة اللبنانية ليس بنداً تفاوضياً أصلاً.
ما يجب أن يطالب به لبنان واضح ومباشر:
– وقف نهائي لإطلاق النار.
– انسحاب كامل من الأراضي المحتلة.
– وقف الخروقات الجوية والبرية.
– إعادة الأسرى.
– عودة النازحين إلى قراهم.
– إطلاق مسار إعادة الإعمار.
مبدأ تفاوضي: إن الحديث عن “مناطق تجريبية” أو ترتيبات انتقالية أو حلول مؤقتة، لا يمكن أن يكون مقبولاً إلا إذا كان جزءاً من جدول زمني واضح ومحدد يؤدي إلى انسحاب كامل، وليس إلى تكريس واقع احتلال جديد بأسماء مختلفة.
استثمار اللحظة السياسية وحفظ السيادة
في المقابل، ينبغي للبنان أن يستفيد من اللحظة السياسية المستجدة من دون أن يقع في فخ الارتهان لها. فالتفاهم الأميركي – الإيراني يوفر فرصة ثمينة لوقف الحرب، لكنه لا يجب أن يتحول إلى وصاية على القرار اللبناني.
وهنا تبرز أهمية الموقف الذي أعلنه الرئيس جوزاف عون عندما رحب بأي جهد يساعد على إنهاء الحرب، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن لبنان دولة ذات سيادة، وأن أحداً لا يفاوض نيابة عنه.
خلاصة القول، هذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم الجولة الخامسة في واشنطن. فالمطلوب ليس أن يختار لبنان بين واشنطن وطهران، ولا أن يتحول إلى بند في تفاهمات الآخرين، بل أن يستثمر التناقضات الإقليمية والدولية القائمة لتحقيق أهدافه الوطنية.
لقد دخلت إسرائيل المفاوضات وهي تعتقد أن النار تمنحها أفضلية. أما اليوم، وبعد سويسرا، فإن استمرار النار أصبح عبئاً عليها أكثر مما هو ورقة قوة في يدها. وهذه فرصة نادرة أمام لبنان؛ فرصة لا لطلب التنازلات، بل لفرض الحقوق.


