الأكثر قراءة

بلغاريا بين تحقيقات التخريب والتجاذب السياسي حول روسيا وأوكرانيا

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تعيش بلغاريا مرحلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، في ظل استمرار التحقيقات في سلسلة من حوادث الانفجارات والتخريب التي استهدفت منشآت مرتبطة بإنتاج وتخزين الأسلحة، بالتوازي مع احتدام الجدل الداخلي حول طبيعة العلاقة مع روسيا ومستقبل السياسة البلغارية تجاه الحرب في أوكرانيا.

وتتركز الأنظار حاليًا على شركة الأسلحة البلغارية EMCO، بعد العثور على مؤشرات جديدة مرتبطة بحادث وقع في أحد مواقعها، فيما تحاول السلطات تحديد ما إذا كانت هذه الوقائع منفصلة أم أنها تشكل جزءًا من سلسلة عمليات متعمدة تمتد لسنوات.

تحقيقات في سلسلة انفجارات غامضة

تعود التحقيقات إلى سلسلة من الانفجارات والحوادث التي طالت منشآت عسكرية وذخائر بلغارية خلال الفترة الممتدة من عام 2011 إلى عام 2020.

وقد أعادت التطورات الأخيرة فتح ملف هذه الحوادث، خصوصًا بعدما ظهرت معطيات تربط بعض المنشآت والشركات التي تنتج الذخائر والأسلحة بالوقائع السابقة.

، أعلن وزير الداخلية البلغاري إيفان ديميردجييف في شهر ايلول الحالي بأن السلطات تدرس أوجه التشابه بين الحوادث التي وقعت في منشآت شركة EMCO وحوادث أخرى سابقة، بهدف تحديد ما إذا كانت هناك صلة بينها أو نمط متكرر يمكن أن يساعد المحققين في الوصول إلى المسؤولين.

وأكد الوزير أن السلطات لا تستبعد أي فرضية في هذه المرحلة.

شركة EMCO في قلب التحقيقات

تُعد شركة EMCO من أبرز الشركات البلغارية العاملة في مجال الصناعات الدفاعية، وقد أصبحت محورًا للتحقيقات بعد وقوع حادث جديد في أحد مواقعها قرب مدينة تشيرني ليفادا.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن الشركة كانت من بين الجهات التي ارتبط اسمها بحوادث سابقة تتعلق بانفجارات أو عمليات تخريب استهدفت منشآت تخزين وإنتاج الذخائر.

وتزداد أهمية التحقيقات بسبب طبيعة إنتاج الشركة وعلاقاتها التجارية الدولية، إذ كانت منتجات من الصناعات الدفاعية البلغارية تُصدّر إلى عدد من الأسواق، بما فيها أوكرانيا.

اتهامات سابقة بوجود صلة روسية

منذ سنوات، تنظر السلطات البلغارية في احتمال وجود علاقة بين بعض حوادث التخريب وبين أجهزة أمنية روسية.

وقد اكتسبت هذه الفرضية أهمية خاصة في ظل التوتر المتزايد بين بلغاريا وروسيا، ولا سيما بعد اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا.

وكانت السلطات البلغارية قد أشارت في مناسبات سابقة إلى شبهات تتعلق بدور عملاء روس في بعض حوادث التفجير التي وقعت في منشآت عسكرية، إلا أن إثبات وجود صلة مباشرة بين كل حادثة والأجهزة الروسية يبقى مسألة تحتاج إلى أدلة وتحقيقات منفصلة.

من جهتها، رفضت شركة EMCO الربط المباشر بين الحوادث التي تعرضت لها منشآتها وبين روسيا، مؤكدة أن مثل هذه الاتهامات لا تستند، وفق موقفها، إلى أساس واضح.

تجارة السلاح تزيد حساسية الملف

تكتسب القضية بعدًا إضافيًا بسبب نشاط بلغاريا في قطاع الصناعات الدفاعية وتزايد صادرات الأسلحة والذخائر إلى دول مختلفة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

وتملك بلغاريا قطاعًا دفاعيًا مهمًا يعود جزء كبير من إنتاجه إلى الحقبة السوفياتية، ما يجعل البلاد قادرة على إنتاج أو صيانة أنواع من الأسلحة والذخائر المستخدمة في أوكرانيا.

وقد جعل ذلك الصناعات الدفاعية البلغارية هدفًا حساسًا في ظل الصراع، وأثار مخاوف من إمكانية تعرض منشآت إنتاج أو تخزين الأسلحة لأعمال تخريب أو تجسس.

راديف في مواجهة معادلة سياسية معقدة

في موازاة الملف الأمني، يجد الرئيس البلغاري رومين راديف نفسه في قلب جدل سياسي واسع بشأن علاقات بلغاريا مع موسكو.

فقد عُرف راديف خلال السنوات الماضية بموقف أكثر تحفظًا تجاه تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا، ودعا مرارًا إلى إعطاء الأولوية للحوار والبحث عن تسوية سياسية للحرب.

وفي المقابل، تتمسك الحكومة البلغارية والقوى المؤيدة للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي بضرورة استمرار دعم أوكرانيا وتعزيز التعاون مع الشركاء الغربيين.

وهذا التباين جعل السياسة الخارجية واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام داخل بلغاريا.

بين بروكسل وموسكو

تحاول بلغاريا، باعتبارها عضوًا في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، الحفاظ على موقعها داخل المؤسسات الغربية، لكنها في الوقت نفسه تواجه إرثًا تاريخيًا واقتصاديًا وثقافيًا يجعل علاقتها بروسيا أكثر تعقيدًا من علاقة بعض الدول الأوروبية الأخرى بموسكو.

ويرى مراقبون أن راديف يحاول الحفاظ على مساحة للمناورة بين الطرفين، من خلال الدعوة إلى الحوار مع روسيا، من دون التخلي رسميًا عن عضوية بلغاريا في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

غير أن الحرب في أوكرانيا جعلت هذا التوازن أكثر صعوبة، إذ باتت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي مطالبة باتخاذ مواقف أكثر وضوحًا بشأن روسيا.

بدورها اتخذت الحكومة البلغارية مواقف أكثر قربًا من الخط الأوروبي الداعم لأوكرانيا.

وزار مسؤولون بلغاريون كييف، وشاركت بلغاريا في مبادرات إقليمية وأوروبية تهدف إلى دعم أوكرانيا، بما في ذلك التعاون في مجالات الأمن والدفاع.

وأدى ذلك إلى زيادة التباين بين المؤسسة الرئاسية والحكومة في بعض الملفات المتعلقة بالحرب، خصوصًا بشأن طبيعة المساعدات العسكرية التي يمكن لبلغاريا تقديمها لأوكرانيا.

الانتخابات الرئاسية تزيد حدة التنافس

ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية، أصبح الملف الخارجي جزءًا من المعركة السياسية الداخلية. وتتنافس القوى السياسية على استقطاب الناخبين من خلال مواقف مختلفة تجاه الحرب في أوكرانيا والعلاقة مع روسيا ومستقبل السياسة الخارجية البلغارية.

وتشير استطلاعات الرأي إلى تقدم بعض القوى السياسية والائتلافات على حساب أحزاب أخرى، فيما لا يزال السباق الرئاسي مفتوحًا على احتمالات متعددة.

وتبرز في المشهد قوى مؤيدة للغرب وأخرى أكثر تحفظًا تجاه دعم أوكرانيا، الأمر الذي يجعل السياسة الخارجية عاملًا مهمًا في تحديد اتجاهات الناخبين.

صعود قوى جديدة في المشهد السياسي

أدت التحولات السياسية الأخيرة إلى ظهور قوى وائتلافات جديدة تسعى إلى منافسة الأحزاب التقليدية.وتحاول هذه القوى تقديم نفسها باعتبارها بديلًا عن الاستقطاب التقليدي، لكنها في الوقت نفسه تجد نفسها مضطرة إلى تحديد موقفها من القضايا الكبرى، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا والعلاقة مع موسكو.

وتُظهر النتائج والاستطلاعات أن الناخب البلغاري منقسم بشأن هذه الملفات، وهو ما يجعل تشكيل تحالفات سياسية مستقرة بعد الانتخابات أمرًا غير سهل.

ملف الأمن القومي يتقاطع مع السياسة الخارجية

تكشف التحقيقات في حوادث التخريب أن السياسة الداخلية والخارجية في بلغاريا أصبحتا مرتبطتين بصورة متزايدة.

فأي تطور في ملف المنشآت العسكرية أو صادرات الأسلحة يمكن أن يتحول سريعًا إلى قضية سياسية تتعلق بالعلاقة مع روسيا وأوكرانيا والغرب.

وفي حال تمكنت السلطات من إثبات وجود صلة بين بعض حوادث التخريب وأجهزة روسية، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط على القوى السياسية التي تدعو إلى التقارب مع موسكو.

أما إذا لم تتوصل التحقيقات إلى أدلة قاطعة، فستبقى القضية عرضة للتجاذب السياسي والتفسيرات المتعارضة.

بلغاريا أمام مفترق طرق

تجد بلغاريا نفسها اليوم أمام مجموعة من التحديات المتداخلة: تحقيقات في حوادث تخريب غامضة، وقطاع دفاعي يحظى بأهمية متزايدة بسبب الحرب في أوكرانيا، وانقسام سياسي بشأن روسيا، وضغوط أوروبية وأطلسية للحفاظ على موقف موحد تجاه موسكو.

وبينما يسعى راديف إلى إبقاء باب الحوار مع روسيا مفتوحًا، تتحرك الحكومة والقوى المؤيدة للغرب باتجاه تعزيز دعم أوكرانيا والالتزام بسياسات الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وفي ظل هذه المعادلة، لن تكون الانتخابات المقبلة مجرد منافسة على السلطة الداخلية، بل ستشكل أيضًا اختبارًا لاتجاه السياسة الخارجية البلغارية.

فالسؤال لم يعد فقط من سيحكم بلغاريا، وإنما أي مسار ستختار البلاد: الاستمرار في سياسة التوازن بين موسكو وبروكسل، أم الانخراط بصورة أوضح في المعسكر الأوروبي الأطلسي، بينما تواصل الحرب في أوكرانيا إعادة رسم الخريطة السياسية والأمنية للقارة.

https://hura7.com/?p=84813

الأكثر قراءة