
جريدة الحرة بيروت
بقلم: د. فريد لخنش مدونة الكاتب د. فريد لخنش
تتقاطع المسارات الدبلوماسية في بيروت وواشنطن مع تفاصيل بالغة الحساسية تخص مستقبل الترتيبات الأمنية على الحدود الجنوبية للبنان، حيث تتكشف تباعاً كواليس الجولة الأخيرة من محادثات روما التي جرت برعاية أمريكية. وفي الوقت الذي تسعى فيه الأطراف المعنية إلى صياغة تفاهمات محددة تنظم مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، برزت على سطح الأحداث خطوة لافتة تتمثل في الإقصاء التام والواضح لدور بارز لطالما سعت الدبلوماسية الفرنسية للعبِهِ في الملف اللبناني.
وتؤكد التفاصيل المستقاة من كواليس التفاوض وجود توافق لبناني إسرائيلي على صياغة قائمة مختصرة للغاية تضم دولاً بعينها وتستبعد أخرى، في مسعى دقيق لضبط آليات الرقابة ومهمات التحقق من نزع سلاح حزب الله وفق معايير مقبولة للطرفين. ويفتح هذا التوجه الباب أمام تساؤلات عميقة حول طبيعة التحالفات الجديدة التي تعيد صياغة المشهد اللبناني من خلف الكواليس، خصوصاً بعد أن أجمع مسؤولون ودبلوماسيون أجانب على أن طرد باريس جاء بقرار أمريكي إسرائيلي مشترك. وفي المقابل، رفضت بيروت مسبقاً إسناد هذه المهام الحساسة إلى شركات أمنية خاصة، متمسكة بأن تكون المرجعية للدول حصراً لضمان الحد الأدنى من السيادة والشرعية الرسمية.
الأطر القانونية والانسحاب
يتطلب أي نشر فعلي لقوات أجنبية على الأراضي اللبنانية مظلة قانونية واضحة تضفي الشرعية على وجودها وحركتها، وهو ما يضع الأطراف المفاوضة أمام خيارات معقدة تتراوح بين وضع تلك القوات تحت راية قوة الأمم المتحدة المؤقتة. ويستلزم خيار اليونيفيل قراراً جديداً من مجلس الأمن الدولي لتوسيع مهامها، بينما تبدي واشنطن وتل أبيب استعداداً لدراسة بدائل أخرى تشمل إخضاع القوات لوكالة أممية مختلفة أو تنظيم عملها عبر مذكرة تفاهم مباشرة مع الدولة اللبنانية.
وفي موازاة هذا التعقيد اللوجستي، ألقى الرئيس اللبناني جوزيف عون بظلال إيجابية على ملفات أخرى كوقف إطلاق النار، ووقف تجريف المنازل، ورسم الحدود، وملف الأسرى، مؤكداً حدوث تقدم ملحوظ في هذه العناوين. غير أن ملف الانسحاب الميداني ظل يراوح مكانه نتيجة الشروط الإسرائيلية المتعنتة التي رفضت تحديد مناطق جديدة للانسحاب في بلدات مثل بنت جبيل والخيام، واشتطت بطلب التحقق المسبق من سيطرة الجيش على المنطقتين السابقتين. وهذا ما يكرس حالة الجمود ويجعل تسوية الجنوب معلقة على حافة التجاذبات السياسية المستمرة، خصوصاً وأن اتفاق الإطار المبرم في أواخر يونيو الماضي ينص أساساً على نزع سلاح حزب الله والانسحاب التدريجي لجيش الاحتلال.
تؤكد هذه التطورات أنّ مسار التسوية في جنوب لبنان يقف أمام مفترق طرق بالغ الدقة، حيث تتداخل إقصاءات القوى الكبرى مع اشتراطات الميدان العسكري بشكل معقد يهدد بتعطيل أي اختراق ديبلوماسي حقيقي. إن محاولات إعادة هندسة الرقابة الدولية بمعزل عن الدور الفرنسي، بالتوازي مع تعنت الاحتلال في ملف الانسحاب وتأجيل حسم المناطق الجديدة، تعكس رغبة واضحة في فرض وقائع أمنية وسياسية جديدة تتجاوز المصالح الوطنية اللبنانية.
كما أن استمرار هذا الشلل الميداني يكرس سياسة الابتزاز المستمر، مما يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار قاسي لإثبات قدرتها على حماية سيادتها دون الانزلاق نحو فراغ تفاوضي طويل الأمد. وهذا كله يجعل الجنوب اللبناني معلقاً بين حتمية الوصول إلى صيغة استقرار دائمة تحفظ حقوق أبنائه ومخاطر التحول إلى ساحة توترات دائمة ومحاولات دائمة لإعادة رسم الجغرافيا والنفوذ بالقوة. ومع تعثر الآليات الحالية وغياب الضمانات الدولية الكفيلة بردع سياسات التجريف والتهجير، تظل الأفق مفتوحة على شتى الاحتمالات في ظل إصرار تل أبيب على فرض شروط تعجيزية تفرغ أي اتفاق مستقبلي من مضمونه الحقيقي.


