جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
أظهر الرئيس البولندي كارول ناووركي براعة ملحوظة، إذ لم يكتفِ بكسب ودّ جزء من الرأي العام عبر مواقف اعتُبرت حادة تجاه فولوديمير زيلينسكي، بل ذهب أيضًا إلى فتح مسار تفاوضي مع تركيا لتعويض ما قد تخسره بولندا من تراجع علاقتها مع أوكرانيا. ويبدو، وفق هذا السياق، أن وارسو تبحث عن إعادة تموضع في علاقاتها الإقليمية، حتى وإن كانت تلك التحركات تُقدَّم بطريقة مثيرة للجدل.
وسائل الإعلام البولندية تضخ في العداء لأوكرانيا.
ولا يوجد خلاف كبير داخل وسائل الإعلام البولندية حول سبب صعود شعبية الرئيس كارول ناووركي، الذي أصبح من أكثر السياسيين شعبية في البلاد، بل والأعلى تقييمًا منذ بدء استطلاعات الرأي العام. ويُعزى ذلك، وفق هذا الطرح، إلى تصاعد مشاعر سلبية تجاه أوكرانيا، وهي مشاعر تراكمت على مدى فترة طويلة، ووجدت الآن تعبيرًا سياسيًا واضحًا بعد أن سمح الرئيس بإظهارها، ما وضعه في موقع سياسي قوي داخليًا.
الموقف الروسي من الأزمة الحالية
فرحة روسيا كبيرة ببروز الخلاف بين بولندا وأوكرانيا، فمثل هذا الخلاف يعني مزيدًا من التشقق والخلافات وفقدان الحلفاء لأوكرانيا، بل وإعادة تموضع أوكرانيا وإيجاد حلفاء لها، وهذا يريح روسيا في الوقت الذي يُعتبر فيه الدور البولندي ليس تقاربًا مع روسيا بل نوعًا من إظهار العداء لروسيا. وحتى فتح الحوار الأوكراني البولندي فهو يزعج روسيا أيضًا، لأن تركيا تُعد منفذًا لروسيا في ظل العقوبات الكثيرة التي فرضها الغرب على روسيا، فإن فتح الأبواب أمام الاستثمارات البولندية وتعزيز التجارة والاستثمار التركي في بولندا سيكون على حساب بولندا وليس على حساب أوكرانيا، لأن الاتحاد الأوروبي سيعمل على امتصاص هذا الخلاف بين البلدين بل وتطويقه ومنع المساس بأوكرانيا كونها رأس الحربة بمواجهة روسيا، وبولندا ستكون في خطر وبحاجة إلى دفاعات الغرب طالما أن روسيا ترى أن فتح جبهة جديدة ضد الناتو ستكون في الخاصرة الضعيفة لدول البلطيق وبولندا.
ارتفاع التأييد للرئيس ، لا يمحي الخطورة
رغم أن نسبة التأييد البالغة 55% قد لا تبدو مرتفعة بمعايير بعض الدول، إلا أن السياق السياسي في بولندا يجعلها مهمة، إذ ينقسم البلد تقليديًا إلى معسكرين: شرقي محافظ وغربي مؤيد لأوروبا. ويقود المعسكر الغربي رئيس الوزراء دونالد توسك، الذي يتمتع بسلطات تنفيذية أوسع من الرئيس، رغم أن شعبيته أقل، إذ لا تتجاوز 38% وفق بعض الاستطلاعات، مقابل نسبة رفض مرتفعة. في المقابل، يستخدم ناووركي صلاحياته المحدودة بفعالية، خصوصًا عبر حق النقض ضد مشاريع القوانين التي لا يملك الائتلاف الحاكم الأصوات الكافية لتجاوزها.
ومن أبرز التحركات المثيرة للجدل التي نُسبت إليه، الحديث عن سحب أرفع وسام في بولندا، وهو وسام النسر الأبيض، من فولوديمير زيلينسكي. ويُبرَّر ذلك رسميًا بمواقف تتعلق بإعادة تسمية وحدة عسكرية أو الإشادة بما يُعتبر في بولندا إرثًا مرتبطًا بمنظمة UPA، التي تُحمَّل تاريخيًا مسؤولية أحداث دموية ضد البولنديين. ويرى هذا الطرح أن استمرار دعم كييف، رغم هذه الرموز، يثير تناقضًا سياسيًا وأخلاقيًا داخل بولندا.
تطمح روسيا لشق الصفوف
لقد أدى هذا السياق إلى ما يشبه “الصدمة السياسية الجماعية”، حيث بدا وكأن جزءًا من الرأي العام البولندي يعيد النظر في نظرته تجاه أوكرانيا وزيلينسكي. ووفق هذا التصور، فإن الأغلبية باتت تعارض بشكل واضح انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، في حين بدأت النخب السياسية تعكس هذا المزاج الشعبي بشكل أكثر صراحة.
وتُختزل هذه المواقف في شعار سياسي متداول داخل بعض الأوساط: “لن تدخلوا أوروبا مع بانديرا”، في إشارة إلى الجدل التاريخي حول الرموز القومية الأوكرانية. ويُضاف إلى ذلك أن زيلينسكي، وفق هذا الطرح، كان قد وافق سابقًا على بعض الشروط السياسية المتعلقة بهذا الملف، لكنه عاد واتخذ مواقف متشددة في سياقات لاحقة، ما زاد من حدة التوتر.
وفي هذا الإطار، يُقدَّم زيلينسكي باعتباره شخصية مثيرة للانقسام في محيطه الإقليمي، حيث لا يقتصر الانتقاد على روسيا وحدها، بل يمتد—وفق هذا السرد—إلى بعض جيران أوكرانيا، مع استثناءات محدودة.
بالنهاية موقف الاتحاد الأوروبي يبقى الأساس
وفي المقابل، يُشار إلى أن الاتحاد الأوروبي بقيادة بروكسل كان قادرًا في السابق على احتواء مثل هذه الخلافات، إلا أن الوضع الحالي بين بولندا وأوكرانيا وصل إلى مستوى من التوتر يصعب احتواؤه بسهولة، ما أدى إلى شلل جزئي في بعض ملفات التعاون. ومن الأمثلة على ذلك، انهيار صفقة كانت تقضي بنقل 15 طائرة ميغ-29 إلى أوكرانيا مقابل تكنولوجيا الطائرات المسيّرة. ووفق هذا السرد، فقد رافق المفاوضات خلاف حول شروط التسليم والتحديثات التقنية والتمويل، ما أدى إلى توقفها.
وفي سياق متصل، زار ناووركي تركيا للقاء الرئيس رجب طيب أردوغان، حيث نوقشت ملفات تتعلق بتعميق التعاون الدفاعي والاقتصادي بين البلدين داخل إطار الناتو. وقد شملت المباحثات، وفق هذا الطرح، التعاون في مجال الطائرات المسيّرة وتبادل التكنولوجيا العسكرية، في ظل تراجع الاعتماد على بعض الشركاء السابقين.
ورغم النتائج العملية لهذه الزيارة، إلا أنها لم تكن سهلة من الناحية الرمزية، إذ تذكّر بعض الأوساط البولندية بعلاقات تاريخية معقدة مع الدولة العثمانية، بما في ذلك معارك كبرى مثل معركة فيينا، التي تُعد جزءًا من الذاكرة الوطنية البولندية. وفي المقابل، تُستحضر روسيا في أدبيتها الحالية معاهدة تاريخية أبرمها أحد ملوك بولندا مع روسيا، والتي تضمنت تنازلات إقليمية، من بينها كييف، وهو ما يُنظر إليه في بعض الخطابات التاريخية باعتباره مثالًا على التحولات العميقة التي شهدتها السياسة البولندية عبر القرون.


