الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

بولندا وواشنطن على حافة أزمة دبلوماسية بسبب هروب زيبرو إلى أمريكا

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تتحول قضية وزير العدل البولندي السابق زبيغنيف زيبرو إلى أزمة سياسية ودبلوماسية متصاعدة بين بولندا والولايات المتحدة، بعد اتهامات داخل وارسو بأن هروب المسؤول السابق إلى واشنطن لم يكن ليحدث دون دعم من شخصيات مقربة من إدارة الرئيس دونالد ترامب. فالقضية لم تعد مجرد ملف قضائي يتعلق بمسؤول متهم بالفساد واستغلال السلطة، بل باتت ترتبط مباشرة بالصراع السياسي الداخلي البولندي، وبحساسية العلاقة الحالية بين الحكومة الليبرالية في وارسو والإدارة الأمريكية الجمهورية.

أعلن وزير الخارجية البولندي رادوسواف سيكورسكي أن السلطات بدأت تحقيقًا لمعرفة الكيفية التي تمكن بها زيبرو، المطلوب للقضاء البولندي، من الحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة. وأشار إلى أن اتفاقية تسليم المجرمين بين البلدين تمنح وارسو الحق بالمطالبة باسترداده، لكنه حاول في الوقت نفسه تجنب توجيه اتهامات مباشرة للإدارة الأمريكية، في ظل حساسية المرحلة الأمنية التي تمر بها أوروبا الشرقية.

الموقف البولندي من القضية

تدرك القيادة البولندية أن علاقتها بواشنطن أصبحت أكثر أهمية منذ تصاعد المخاوف من انتقال تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية إلى حدود دول حلف شمال الأطلسي، خصوصًا بعد حوادث الطائرات المسيّرة التي اخترقت أجواء دول البلطيق وبولندا. ولهذا رحب رئيس الوزراء دونالد توسك بقرار ترامب إرسال أربعة آلاف جندي أمريكي إضافي إلى الأراضي البولندية، رغم الجدل الذي رافق القرار داخل واشنطن نفسها.

لكن قضية زيبرو تبدو أكثر تعقيدًا من مجرد خلاف قانوني. فالرجل يُعد أحد أبرز رموز حزب “القانون والعدالة” المحافظ، الذي خسر السلطة عام 2023 بعد سنوات من الصدام مع الاتحاد الأوروبي والمعارضة الليبرالية. وبعد عودة توسك إلى رئاسة الحكومة، بدأت حملة قضائية واسعة ضد شخصيات الحزب السابق، شملت اتهامات لزيبرو بالتنصت على معارضين وصحفيين باستخدام برنامج التجسس “Pegasus”، إضافة إلى قضايا فساد وإساءة استخدام الأموال العامة.

ورغم خسارة الحزب للانتخابات البرلمانية، فإنه استطاع لاحقًا إيصال حليفه كارول نافروتسكي إلى الرئاسة، ما أبقى حالة الانقسام السياسي الحاد داخل البلاد. أما زيبرو نفسه، فاختار الهروب أولًا إلى المجر، حيث منحه رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان حق اللجوء السياسي، في خطوة غير مسبوقة داخل الاتحاد الأوروبي.

لكن تبدل السلطة في بودابست هذا العام، وصعود رئيس الوزراء الجديد بيتر ماديار، دفعا زيبرو إلى الفرار مجددًا، وهذه المرة نحو الولايات المتحدة، حيث أعلن أنه سيواصل نشاطه السياسي والإعلامي من هناك عبر التعاون مع قناة “TV Republica” المحافظة.

أزمة حديثة مع الولايات المتحدة

ازدادت الأزمة تعقيدًا بعدما تحدثت تقارير إعلامية عن حصول زيبرو على دعم داخل الإدارة الأمريكية، وتحديدًا عبر نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لانداو. هذه التسريبات دفعت شخصيات ديمقراطية في الكونغرس الأمريكي، مثل غريغوري ميكس وجيمي راسكين، إلى مطالبة وزير الخارجية ماركو روبيو بتوضيح كيفية منح التأشيرة، محذرين من أن القضية قد تتحول إلى أزمة دبلوماسية حقيقية مع بولندا إذا رفضت واشنطن التعاون مع طلبات التسليم المحتملة.

وفي النهاية، تكشف هذه القضية حجم التداخل بين القضاء والسياسة في أوروبا الشرقية، كما تعكس كيف أصبحت بولندا ساحة جديدة للصراع غير المباشر بين التيار المحافظ القريب من ترامب، والتيار الليبرالي المتحالف مع المؤسسات الأوروبية. ولذلك، فإن قضية زيبرو لم تعد مجرد ملف فساد أو هروب سياسي، بل تحولت إلى اختبار حساس لمستقبل العلاقات البولندية الأمريكية، ولحدود التدخل السياسي الأمريكي في الصراعات الداخلية لحلفائه الأوروبيين.

الموقف الأمريكي من القضية

في المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام موقف حساس، إذ إن أي دعم أو تسهيل محتمل لزيبرو قد يُفسَّر في وارسو على أنه تدخل مباشر في التوازنات السياسية البولندية، خاصة في ظل الاستقطاب الحاد بين المعسكر المحافظ المرتبط بدونالد ترامب والتيار الليبرالي الحاكم.

ومع تصاعد التوترات الأمنية في أوروبا الشرقية، تدرك واشنطن ووارسو معًا أن الخلاف السياسي لا يجب أن يتحول إلى أزمة استراتيجية تهدد الشراكة الأمنية بين البلدين. لكن الواضح أن هذه القضية ستبقى مفتوحة على مزيد من التصعيد، خصوصًا إذا تقدمت بولندا رسميًا بطلب تسليم زيبرو، أو إذا ظهرت أدلة تؤكد وجود دعم سياسي أمريكي له.

وعندها، قد تتحول القضية من ملف قضائي داخلي إلى مواجهة دبلوماسية أوسع، تعكس طبيعة الصراع المتزايد بين الشعبوية المحافظة والليبرالية الغربية داخل أوروبا وخارجها.

https://hura7.com/?p=79494

الأكثر قراءة