جريدة الحرة بيروت
بيروت التي علّمت الإعلام … أصبحت تبحث عن وظيفة لإعلامييها
بقلم : إسطيفان يلدز مدونة الكاتب إسطيفان يلدز
كان الحكواتي البيروتي يقول: “يا جماعة، زمان كانت الأخبار تأتي إلى بيروت قبل أن تصل إلى غيرها، واليوم صار الإعلامي البيروتي يبحث عن خبر وظيفة في الخارج!”
في زمن مضى، لم تكن بيروت مجرد عاصمة لبنان، بل كانت عاصمة الحبر والصوت والصورة في الشرق. من شوارعها خرجت الصحف والمجلات، ومن استوديوهاتها انطلقت أصوات المذيعين التي عرفها الملايين في العالم العربي.
كانت بيروت مدرسة مفتوحة للإعلام، جاء إليها الشباب من مختلف الدول العربية ليتعلموا الصحافة، والإذاعة، والتلفزيون. في جامعاتها ومؤسساتها الإعلامية، تعلّم كثيرون كيف يحملون الميكروفون، وكيف يكتبون الخبر، وكيف يصنعون برنامجًا يصل إلى الناس.
كانت القنوات العربية الكبرى تنظر إلى بيروت كخزان للمواهب. كان اسم الإعلامي اللبناني علامة جودة، لغة عربية قوية، ثقافة واسعة وقدرة على الحوار.
لكن الحكواتي يضع فنجان القهوة جانبًا ويقول بسخرية:
“الغريب يا جماعة أن المدرسة التي خرّجت المعلمين أصبحت تسأل أين نجد مقعدًا للجلوس!”
فمع الأزمات الاقتصادية والسياسية، تراجع قطاع الإعلام في لبنان وأغلقت مؤسسات، تقلّصت ميزانيات، وأصبح كثير من الإعلاميين الشباب أمام خيار صعب: إما البقاء في مهنة يحبونها بدخل لا يكفي، أو البحث عن فرصة في الخارج.
وهنا تبدلت الصورة، فبعد أن كان الإعلامي العربي يأتي إلى بيروت ليتعلم، أصبح الإعلامي اللبناني يحزم حقيبته متوجهًا إلى عواصم الخليج بحثًا عن فرصة تحفظ له مهنته ومستقبله.
ولا يعني ذلك أن بيروت فقدت موهبتها، فالمشكلة ليست في الإنسان اللبناني، بل في البيئة التي لم تعد قادرة على احتضان هذه الطاقات. فالصحافي والإعلامي اللبناني ما زال يحمل الخبرة واللغة والثقافة، لكنه يبحث عن المكان الذي يقدّر هذه الخبرة.
يقول أبو فؤاد الحكواتي:
“بيروت لم تخسر أبناءها لأنهم لا يحبونها… بل لأن الحب وحده لا يدفع إيجار البيت ولا فاتورة الكهرباء.”
قد تعود بيروت إلى دورها، فالمدن العريقة لا تموت، لكنها تحتاج إلى من يعيد إليها دورها. فالعاصمة التي علّمت الشرق كيف يحكي قصته، يجب ألا تتحول إلى قصة يرويها الآخرون عنها.
فالمأساة ليست أن الإعلامي اللبناني يعمل في الخارج … المأساة أن بيروت لم تعد المكان الأول الذي يحلم بالعمل فيه.


