الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

بيروت تنتخب وهم السلطة: مجلس بلا مخالب… وفساد بلا محاسبة

 

د. جاد طعمه*

جريدة الحرة ـ بيروت

بعد يومين سنكون على موعد مع الاستحقاق الانتخابي لاختيار أبناء العاصمة أعضاء مجلسهم البلدي. هناك استعدادات وتحضيرات لتحويل الشوارع إلى ساحة معركة: مرشحون يتبارون في رشق الناخبين بوعود من ورق بينما يعلم الجميع أن المجلس البلدي المُنتخب لا يملك حتى سلطة إصلاح حفرة في شارع بقرار منفرد ولو كان التمويل متوافراً. المفارقة المُرّة تكمن في تفاصيل القانون الذي يُجرّد بيروت دون سواها من المدن أو البلدات أو القرى في لبنان من صلاحياتها التنفيذية لتصبح الانتخابات مجرد طقس ديمقراطي يمارس لترميم شرعية نظام فاسد، بينما القرار الحقيقي يُصنع في الغرف المغلقة لمكتب المحافظ وهو الموظف المُعيّن الذي يمتلك “حق النقض المطلق”.

المحافظ: الحاكم الفعلي الذي لا يُنتخب

ليست هذه المرة الأولى التي تُختزل فيها الانتخابات البلدية في خطابات برّاقة عن “التنمية المستدامة” و”محاربة الفساد”. الكل يتجاهل أن القانون يحصر التنفيذ بيد المحافظ الذي يستطيع تجميد أي قرار يصدر عن المجلس البلدي المنتخب ولو كان بالإجماع لأسباب تتراوح بين البيروقراطية الوهمية والفساد الصريح. وكم من مشروع جمّده محافظون سابقون بحجة “عدم الجدوى المالية”، بينما كشف العديد من التحقيقات القضائية الحاصلة بناء لإخبارات أمام النيابة العامة المالية أن الكثير من المشاريع جرى تمريرها بالتراضي في حين اختفت أموال مشاريع أخرى في حسابات شركات محظية.

هذه الحقيقة التي ارتأى المرشحون والقيّمون عليهم عدم جدوى الحديث بها خلال الحملة الانتخابية تشكل نموذجاً مصغّراً للفساد البنيوي الهادف إلى تحويل المجلس البلدي والأعضاء المنتخبين فيه إلى أصحاب وجاهة اجتماعية، لكنهم بالحقيقة مجرد ديكور إداري. فبيروت تدار كإقطاعية مالية، وقد أظهرت التجربة أن الانحرافات الإدارية والمالية لدى بعض المحافظين الذين مرّوا على بلدية بيروت ليست مجرد فرضيات، بل هي وقائع موثّقة من خلال ما كشفته تقارير رقابية وملاحقات أطلقتها النيابة العامة المالية بحق عدد ممن تولّوا منصب المحافظ سابقاً أو شغلوا مواقع تنفيذية في البلدية فتورطوا في ملفات هدر أو إبرام عقود مشوبة بسوء الإدارة. وهذا يؤكد ضرورة تعديل القانون الحالي ليس فقط لضمان الفاعلية الإدارية بل لقطع دابر الفساد البنيوي الذي أصبح جزءاً من البنية الحاكمة في إدارة العاصمة.

الوعود الانتخابية والتمويل المشبوه

المفارقة الأكثر إيلاماً أن الحملات الانتخابية تتطلّب تمويلاً ضخماً تُغطيه حتى الساعة “تبرعات مجهولة الهوية”، ولو تمّ ادّخار هذه الأموال من أجل منحها كهبات لصندوق البلدية لتحقق الكثير من الوعود الفارغة التي نسمعها اليوم! التساؤل المشروع: لماذا تُنفق الأحزاب والمنصات هذه المبالغ على مرشحات ومرشحين لن يتمكنوا من تنفيذ أي مشروع؟ الجواب بسيط وقاس وقد لمسنا نتائجه بعد الانتخابات النيابية للعام 2022: التمويل الانتخابي استثمار في شراء الذمم. فالفوز بمقعد بلدي يعني الحصول على ورقة ضغط في مفاوضات توزيع المنافع من عقود النظافة إلى تراخيص البناء… الخ، وكلها تدار خارج أروقة البلدية. هكذا يصبح المرشحون الناجحون مجرد وكلاء لشبكة المصالح مع الجهات التي تموّلهم لا ممثلين للإرادة الشعبية.

المقاطعة: رفضاً للأداء المسرحي

في هذا السياق، ورغم العتب الكبير على أصحاب هذا الموقف، لكن لا تبدو الدعوات لمقاطعة الانتخابات تعبيراً عن اللامبالاة بل رفضاً لاستمرار فصول المسرحية وتبادل الأدوار. فالكل بدون استثناء انزلق إلى ألعاب أهل السلطة، ومن حاول إبداء النصح عولج بالإقصاء التام على قاعدة أن المبدئي لا يجب أن يعمل في السياسة ولا في ميدان الحقل العام حيث هناك تكتيكات واستراتيجيات لا بدّ من أن تكون خبيثة لتحقيق النقاط.

المقاطعون يرفضون المشاركة في لعبة تُحوّل المواطن إلى شريك سلبي في تزيين واجهة النظام وشاهد زور على عملية ديمقراطية من دون معنى بينما تُفرغ حقوقه المدنية من مضمونها. المقاطعون لا يكرهون الديمقراطية لكنهم يكرهون ديمقراطية ممسوخة تختزل الوطن في صناديق اقتراع مغلقة وتختزل الإصلاح في شعارات طائفية مثل “المناصفة” التي تتحوّل إلى ذريعة لتجميد المطالبة باستعادة الصلاحيات. فما قيمة تمثيل المكونات في مجلس لا يملك قرار إصلاح مصباح في الشارع؟ وإن كان الحرص على المناصفة هاجساً وطنياً، فهل لدى أحد الجرأة للمطالبة بها جهراً في بعض النقابات والاتحادات والقطاعات حيث تغيب مكونات من العائلة اللبنانية لسنوات وسنوات ولا يهتز لأحد جفن؟

الانتخابات البلدية: بروفةٌ لمعركة نيابية أم استنساخ للفساد؟

الغريب أن هذه الانتخابات تُدار وكأنها بروفة استباقية لمعركة الانتخابات النيابية في 2026. فالتجييش كبير بين معسكر الدولة العميقة ممثلة بأحزاب السلطة وقوى التغيير – إن كنا لا زلنا نستطيع إطلاق هذه التسمية عليهم – أما المعارك فهي هي والخطابات هي هي والأدوات هي هي. وما النتائج المنتظرة إلا استفتاء جديد لاختبار تعاضد تحالف الأحزاب وقياس شعبية الزعامات الطائفية وتأثير آثار الحرب على المزاج الشعبي في العاصمة. إبن بيروت متروك ليختار بين مرشحين يعرفون يقيناً أنهم عاجزون عن تغيير واقع المدينة لكنهم رغم ذلك يتنافسون على إقناعه بأن “المشاركة واجب وطني” وكأن الوطن يُختزل في طقوس الاقتراع لا في محاسبة الفاسدين أو استعادة المال العام المنهوب.

الإصلاح المستحيل: لماذا يرفض النواب تعديل القانون؟

التساؤل الذي تتجنبه النخب الحاكمة وجميع الكتل البرلمانية من دون استثناء هو: لماذا لا يُعدّل القانون الذي يجرّد المجلس البلدي في مدينة بيروت من سلطاته التنفيذية؟ الجواب مُرّ لكنه واضح: لأن الإصلاح يعني تفكيك نظام المحاصصة الذي حوّل بيروت إلى “غنيمة حرب” تُقسم بين مختلف الزعامات. فلو جرى نقل الصلاحيات إلى المجلس البلدي لاضطرت الأحزاب إلى التنافس على برامج حقيقية بدلاً من توزيع المناصب ولأصبحت جميع العقود المبرمة بهدف التنمية المستدامة داخل العاصمة وتأمين الخدمات الأساسية لأهلها خاضعة للمراقبة الشعبية بدلاً من أن تبقى تدار وكأنها ملفات سرية في مكتب المحافظ.

المناصفة والفساد في ظل الحوكمة الغائبة

الخيار الوحيد اليوم هو رفض الانصياع لمنطق “الأمر الواقع”. فالتصويت لمرشح يتبنّى تعديل القانون قد يكون بداية لمعركة الإصلاح لكنه يتطلّب وعياً جماعياً بأن الانتخابات ليست غاية بذاتها بل أداة يجب إجبارها على خدمة الناس. فبيروت التي تعاني من انهيار البنية التحتية وغياب أبسط الخدمات لا تحتاج إلى وعود جديدة بل إلى إرادة سياسية تُعيد السلطة لمَن يفترض أنهم ممثلو الشعب.

أما الحديث عن الحوكمة الرشيدة في ظل هذا النظام فيبدو عبثياً إذ لا حوكمة ممكنة دون تمتع أعضاء المجلس البلدي المنتخبين بالصلاحيات اللازمة. أما أن تُستبقى الصلاحيات لدى المحافظ باسم “الاستثناء البيروتي” فهذا مجرد ستار إضافي لتبرير الشلل الإداري. اللافت أن غالبية الحملات الانتخابية تلجأ اليوم إلى الخطاب الطائفي المغلّف وكأن المشكلة في من يمثّل لا في ما يمثّله ليتحوّل إلى وسيلة لتبرير الفشل لا أداة لحلّه. هكذا تتحوّل أعراف التوازن والمناصفة إلى مجرد ذرٍ للرماد في العيون وتُستخدم كشماعة لشلّ القرار المحلي بدل أن تكون جسراً للوحدة الوطنية.

بيروت مدينة أشباح: هل ننتخب الأوهام حتى الانهيار؟

لبنان لا يدور في الحلقة المفرغة لأن الفساد أقوى من إرادة الشعب بل لأن النظام نجح في تحويل أدوات التغيير (مثل الانتخابات) إلى جزء من آلية الفساد ذاتها. أما بيروت فتعاني من انهيارات متراكمة في بنيتها التحتية وإهمال مستفحل في إدارتها، وهي تحتاج إلى إرادة تشريعية حقيقية تُعيد المعنى للانتخاب وتضع حداً لنظام الإدارات الموازية التي تمارس السلطة من دون مساءلة. فلا مكافحة للفساد من دون قطع أذرعه القانونية. ولا إصلاحاً بلدياً من دون تعديل في القانون. ولا نهوضاً لمدينة تحترق بأزماتها، إن كانت قراراتها تُعلّق على نية موظف، لا على إرادة مجلس منتخب. فهل نجرؤ على كسر الحلقة أم سنبقى ننتخب أوهامنا إلى أن تتحول بيروت إلى مدينة أشباح؟!

*محامي وأستاذ مادة سوسيولوجيا واقتصاديات الفساد في كلية الحقوق / الفرع الفرنسي – الجامعة اللبنانية

https://hura7.com/?p=53124

الأكثر قراءة