العميد منذر الأيوبي
جريدة الحرة ـ بيروت
لم يكن وقتًا كأيٍ مضى، ولم تكن بيروت كما قبله… لحظة واحدة اختزلت كل الأزمنة، مزّقت كل الحسابات، بدّلت ملامح المدينة، وكشفت هشاشة الدولة لتسقط أقنعتها!
انفجار المرفأ لم يكن مجرد مستودعٍ احتوى أطنانًا من مواد خطرة، بل تفجيرًا لذاكرة الناس، لكرامتهم، ولحقهم في الأمان. عبرت ثوانٍ ليتساوى الأطفال المتشبّثون بالنوافذ، بالعمّال المنهكين في العنابر، وتساوت الأمهات اللواتي كنّ يحلمن بالخبز… أو بنَفَسٍ من بحر. جميعهم ذابوا في غيمةٍ ورديّة، ممزوجةٍ بالدخان والخذلان… غيمةٍ نازفةٍ بالدم وبالنسيان..!
المشهد رهيب… الإهراءات لم تعد جدرانًا من حجر، بل انهدّت كذكرى موجعة، صارت كتلةً من غبار وأشلاء، صراخ ووجع… شهادةً دامية على خيانةٍ لم تُنسَ..!
بيروت…! أيتها المدينة المعتادة الصمود وسط الحروب، إحتملتِ وجع المنطقة نيابةً عن الجميع، ما حسبتِ يومًا أن الطعنة آتية من داخل… من يدٍ وعدتك بالحماية، لتأتيكِ بغدرٍ وفراغ. لم تُسفك الأرواح برصاص عدو، بل غادرت في صمتٍ تحت أنقاض جريمةٍ ملفوفة بالأختام، محروسة بالتواقيع..!
ربما تأخرت العدالة لكنها لن تُهزم، ولا تُخادع، ولا تتأثر بالمناصب أو الحسابات أو الاستدعاءات المشروطة. وإن قاعات المحاكم خَبَت أنوارها، فسماء بيروت لا تزال تحفظ أسماء شهدائها، واحدًا واحدًا، وجهآ وجهًا، تعرف من قتلهم، وإن صمتت التحقيقات…
هنا، لا مفرّ من التحديق في عين الموت…فلسفة الموت تفترض أن للحياة نهايةً مفهومة، توقيتًا وحكمة. لكن على لؤلؤة المتوسط، مات المعنى نفسه؛ قُتل الناس بلا سياق، بلا تبرير، بلا وداع…
رَحلوا لا من هرمٍ، وباءٍ أو مرض، بل من فسادٍ صامت، وإهمالٍ مقصود، وتواطؤٍ صنو نقض عهدٍ او نفاق.. فأيّ معنى للموت حين يسقط بلا سبب..؟ وأيّ عزاءٍ لمن لا يستطيع أن يُسمّي قاتله؟
المشهد رهيب. لا يمكن لبيروت إلا أن تبقى الجميلة الساكنة، ولو مزق ثغرها جريمةٌ أكبر من الزمان وأوسع من المكان، أبشع من أن تُنسى، أعمق من أن تُغتفر…واليوم، بعد خمسٍ على الجحيم، لا نزال نُحصي الشهداء بأسمائهم وملامحهم، ننتظر الحقيقة كما ينتظر الجُرح لمسة شفاء…
نتمسّك بالأمل لا لأننا نؤمن بعدالةٍ وُلدت هنا، بل لأننا نوقِن أن الظلم لا يُخلَّد، وأن دموع المظلوم، وإن جفّت ظاهرًا، تجري في العمق كنهرٍ لا يُوقَف… ولا يتوقّف…
بيروت… نحبك، نؤمنُ بكِ رغم الخطب الجلل، ونشهدُ لك رغم صمت الألم، وتبقينَ شاهدة أن الوطن ليس ترابًا فحسب، بل دمآ لم يَجفِ ولن… قبل حسابٍ لا بد آتٍ…


