الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

بين إيحاءات ترامب والوحول اللبنانية: سوريا ترفض استنساخ الماضي

جريدة الحرة بيروت

بقلم : نبيل شحاده مدونة الكاتب نبيل شحاده

في الأول من حزيران / يونيو عام 1976، اجتاح نحو 12 ألف جندي سوري نظامي الحدود نحو لبنان في تحرك عسكري لم يكن عابراً أو في مهمة محدّدة، بل جاء في إطار خطة واضحة ومتعددة الأهداف لضرب القوى الفلسطينية واليسارية، والسيطرة بشكل كامل على القرار الفلسطيني، وفي الوقت نفسه الحفاظ على خطوط التماس والصراع بين المناطق اللبنانية ، والهدف الأكبر كان تحويل لبنان برمته إلى ورقة تفاوض وقوة يستعرضها النظام السوري أمام المجتمع الدولي، وهو المجتمع نفسه الذي تواطأ بدوره، أو في أحسن الأحوال، غض النظر كلياً عن هذه الاستباحة الكاملة لسيادة لبنان.

اليوم، وبعد عقود طويلة على هذه الصفحة السوداء من تاريخ المنطقة، أعادت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب استحضار هواجس الماضي، إذ أوحى بإمكانية أن تلعب دمشق – من جديد- دوراً في مساعدة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح “حزب الله”، وعلى إعادة فرض سيادتها الكاملة على الأراضي اللبنانية بقوله إن “سوريا قد تلعب دورا في تسهيل تنفيذ ضربات أكثر دقة ضد حزب الله في لبنان”. وفي حين تعاطى الرئيس جوزاف عون مع هذه التصريحات بحذر آخذاً إياها “بعين الاعتبار”، جاء الموقف السوري على لسان الرئيس أحمد الشرع حاسماً وقاطعاً ليؤكد أن بوصلة دمشق اليوم تختلف جذرياً عن السابق، وأن زمن التدخلات العسكرية وتخطي الحدود قد ولى إلى غير رجعة.

 

اللبنانيون اليوم وعلى مختلف انتماءاتهم وطوائفهم، لا يمكنهم أن يتخيّلوا تحركاً عسكرياً سورياً شبيهاً بما أقدم عليه حافظ الأسد. فذلك التدخل حدث في ظل ظروف معينة، وتقاطعات دولية وإقليمية معقدة، وشبكة مصالح جمعت حينها بين السوفيات والأميركيين، وامتدت لتشمل حتى توافقات إسرائيلية وعربية ضمنية.

هذه التقاطعات الجيوسياسية غير متوفرة اليوم بأي معيار من المعايير. والأهم من ذلك، أنه لا يمكن لأحد على ضفتي الحدود أن يقبل بعودة التاريخ إلى الوراء أو تكرار تجربة أثبتت عقمها وفشلها، وانتهت بفعل عوامل متعددة بتكريس أزمات عميقة وجروح غائرة وسيل دماء بين البلدين الجارين.

كما أثبتت التجارب المتراكمة أن الحالة اللبنانية، بتركيبتها المعقدة وتناقضاتها الطائفية والسياسية، هي حالة مستعصية، والسعي لحلها من الخارج غالباً ما ينتهي إلى فشل ذريع، ويؤدي إلى مزيد من الفوضى والانهيارات.

وهنا يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة على طاولة التحليل السياسي: هل يمكن لسوريا بقيادتها الجديدة أن تخضع لإملاء وضغط أميركي بالتدخل مباشرة، وربما عسكرياً، في لبنان لضرب حزب الله ومساعدة الدولة اللبنانية على جمع شتاتها وفرض سلطتها؟

تُشير القراءة المتعمقة إلى أن الإجابة هي “لا” قاطعة، وذلك استناداً إلى عدة معطيات استراتيجية تفسّر طبيعة العقل السياسي الجديد في سوريا:

أولاً: شرعية السيادة والاستقلالية مع قيادة الرئيس أحمد الشرع التي تقدم نفسها كقيادة وطنية شرعية ولدت من رحم التغيير لإنهاء عقود من الاستبداد والتورط في المحاور، وهي لن تقبل بالسقوط في فخ “الدور” الإقليمي وأوهام الهيمنة.

ثانياً: تغير العقيدة العسكرية حيث ينشغل الجيش السوري الجديد كلياً بتثبيت الأمن الداخلي، وحماية الحدود، وأي تدخل عسكري مباشر في لبنان يعني انتحاراً عسكرياً واقتصادياً لا يمكن لدمشق تحمله وهي في طور بنائها الجديد.

ثالثاً: البديل الدبلوماسي والأمني غير المباشر، وهو ما تدركه دمشق جيداً بأن التعاون مع المجتمع الدولي له وجوه وأدوات متعددة. وترجح التحليلات أن سوريا قد تفضل تقديم مساعدة “أمنية وسياسية غير مباشرة”؛ كضبط حدودها بصرامة ومنع تدفق السلاح والتهريب، وهو ما يحقق جوهر التطلعات.

رابعاً: العمق العربي والاحتضان الإقليمي الذي تسعى دمشق اليوم لتثبيته من خلال دخولها بقوة في المنظومة العربية ولا سيما الخليجية منها للاستفادة من الدعم السياسي والاستثمارات المالية، وهي لن تقبل بأي حال من الأحوال التفريط بما نجحت في بنائه خلال السنتين الماضيتين.

 

وانطلاقاً مما تقدّم، يتضح أن الرد المباشر للرئيس أحمد الشرع الذي وصف فيه أنباء الدخول العسكري السوري إلى لبنان بأنها “عارية عن الصحة”، لم يكن مجرد مناورة دبلوماسية أو موقف إعلامي، بل تعبير دقيق عن عقيدة سياسية جديدة تقطع الصلة مع إرث 1976 ومغامرات آل الأسد البائسة. بل وذهب الشرع إلى أبعد من ذلك بتأجيل حتى الملفات التقنية مثل ترسيم الحدود، معتبراً إياها ليست أولوية في الوقت الراهن، بسبب الظروف الصعبة والدقيقة التي يمر بها لبنان، ولا سيما في ظل وجود نحو مليون ونصف المليون شخص سوري على الأراضي اللبنانية.

دمشق اليوم، ولمن أراد أن يفهم، تتطلع إلى بناء مسار جديد في التعاطي مع الجوار، يقوم على الاحترام المتبادل والاعتماد على المؤسسات الشرعية. سوريا تريد علاقات جيدة مع لبنان يحكمها مبدأ سيادة كل طرف على أراضيه وقراره الوطني، وهي تؤمن بأن الاستقرار الإقليمي يبدأ من بناء دول وطنية قوية ومستقلة، تلتفت إلى التنمية والتطوير بعيداً عن أوهام التوسع ومخاطر الغرق في أزمات وحروب الآخرين.

https://hura7.com/?p=80312

الأكثر قراءة