الأكثر قراءة

بين التصعيد والمفاوضات.. لماذا يراهن لبنان على المسار السياسي؟

جريدة الحرة بيروت

بقلم: د. فريد لخنش مدونة الكاتب د. فريد لخنش

تدخل المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية مرحلة شديدة الحساسية، بعدما بات واضحًا أن المسار التفاوضي لا يتحرك بالسرعة التي كانت تراهن عليها بيروت. فالمشكلة لا تتعلق فقط بتباين المواقف حول القضايا المطروحة على الطاولة، وإنما ترتبط أيضًا بحسابات سياسية وأمنية تتجاوز حدود لبنان وإسرائيل. وفي هذا السياق، تبدو الانتخابات الإسرائيلية المقبلة أحد العوامل التي تضيف مزيدًا من التعقيد إلى مسار التفاوض، خصوصًا مع حاجة بنيامين نتنياهو إلى تحقيق مكاسب سياسية وأمنية قبل الاستحقاق الانتخابي، بينما يظل الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة لاختبار موازين القوة والرسائل المتبادلة.

الانتخابات حاضرة

اقتراب الانتخابات الإسرائيلية قد يجعل المفاوضات أمام فترة من الانتظار، إذ يصعب فصل القرارات الأمنية عن الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل. نتنياهو يخوض استحقاقًا يحتاج خلاله إلى إظهار قدرته على تحقيق نتائج ميدانية، وليس تقديم تنازلات يمكن أن يستخدمها خصومه في الداخل ضده. ولهذا، يصبح عامل الوقت نفسه جزءًا من أدوات التفاوض، فإطالة المباحثات تمنح إسرائيل فرصة لتحسين شروطها، بينما تبقي لبنان أمام استحقاقات أمنية وسياسية متلاحقة.

كما أن اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية يضيف عاملًا آخر إلى حسابات الأطراف، في ظل الدور الذي تؤديه واشنطن في إدارة العلاقة بين بيروت وتل أبيب. وقد يدفع ذلك إلى إبقاء بعض الملفات معلقة إلى حين اتضاح اتجاهات السياسة الأميركية، وهو ما يجعل الفترة المقبلة أقرب إلى مرحلة اختبار للنيات السياسية منها إلى مرحلة إبرام تفاهمات نهائية.

اتفاق الإطار

يحمل تمسك بيروت باتفاق الإطار دلالة سياسية مهمة، لأنه يبقي المفاوضات قائمة ويمنح الدولة اللبنانية قناة للتعامل مع إسرائيل بعيدًا عن خيار المواجهة المباشرة. كما يسمح للبنان بالتأكيد على أن التفاوض يجري ضمن مسار رسمي، وليس باعتباره تفاهمًا منفصلًا عن مؤسسات الدولة.

غير أن وجود الاتفاق لا يعني امتلاك أدوات كافية لفرض تنفيذه، خصوصًا عندما تستمر العمليات العسكرية وتتغير الوقائع على الأرض. وهنا تجد بيروت نفسها أمام معادلة صعبة؛ التخلي عن التفاوض قد يسحب من يدها إحدى الأدوات القليلة المتاحة أمامها، بينما استمرار المفاوضات من دون نتائج ملموسة قد يمنح إسرائيل مزيدًا من الوقت لتثبيت وقائع جديدة. لذلك يبدو الخيار اللبناني أقرب إلى إدارة الأزمة ومحاولة احتوائها، مع الحفاظ على الباب السياسي مفتوحًا تفاديًا لانفجار أوسع.

عقدة علي الطاهر

تبرز مرتفعات علي الطاهر باعتبارها واحدة من أكثر النقاط حساسية في المشهد الجنوبي، بعدما ارتبطت بمحاولات تعزيز حضور الجيش اللبناني في المنطقة. وتسليم المنطقة إلى الجيش يمكن أن يشكل خطوة باتجاه تأكيد دور الدولة في إدارة الجنوب، غير أن ارتباطها بضمانات أميركية تتعلق بمنع إسرائيل من دخول المنطقة يجعل تنفيذها مرتبطًا بموقف واشنطن.

ومن هنا، أصبحت قضية علي الطاهر جزءًا من المعادلة الأوسع بين الدولة اللبنانية وإسرائيل والولايات المتحدة وحزب الله. فبيروت تريد تثبيت حضور الدولة، وإسرائيل تبحث عن ضمانات أمنية وميدانية، وواشنطن تحاول إدارة التوازن بين الطرفين، بينما ينظر حزب الله إلى المسألة من زاوية تتصل بالضمانات والسيادة وموقع المقاومة في المعادلة الجنوبية. ولهذا يصعب التعامل مع القضية باعتبارها ملفًا ميدانيًا منفصلًا عن مستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية في الجنوب.

أزمة الداخل

قد تكون المشكلة الأكثر تعقيدًا داخلية أكثر منها تفاوضية. فالحكومة اللبنانية تريد تقديم المفاوضات باعتبارها خيار الدولة، بينما لا يزال الخلاف قائمًا حول حدود هذا الخيار والنتائج التي يمكن أن يقود إليها. ومع هذه البيئة السياسية، يصبح كل تقدم تفاوضي قابلًا للتحول إلى مادة للانقسام الداخلي، كما يمكن تفسير كل تأخير باعتباره عجزًا رسميًا أو نتيجة لضغوط خارجية.

وتبقى العلاقة بين الدولة وحزب الله عاملًا مؤثرًا في تحديد هامش الحركة الداخلي. فالحكومة تسعى إلى تثبيت المفاوضات باعتبارها مسارًا رسميًا، بينما توجد خلافات حول طبيعة التفاوض ومخرجاته. وهذا ما يجعل بناء موقف لبناني موحد أكثر صعوبة، في وقت تحتاج فيه بيروت إلى أكبر قدر ممكن من التماسك خلال التفاوض.

الميدان يضغط

في الجانب الإسرائيلي، لا تبدو المفاوضات منفصلة عن التطورات العسكرية. فاستمرار الضربات والتوغلات في جنوب لبنان، إلى جانب رفع الجاهزية على جبهات متعددة، يمنح إسرائيل وسيلة ضغط إضافية خلال التفاوض. والميدان هنا يمكن أن يتحول إلى أداة لإعادة صياغة شروط الحوار، خصوصًا مع استمرار المطالب الإسرائيلية المتعلقة بسلاح حزب الله وترتيبات الجيش اللبناني في الجنوب.

ويضع هذا الواقع لبنان أمام خطر بالغ الحساسية: استمرار المفاوضات في الوقت الذي تتغير فيه الوقائع على الأرض. وكلما طال أمد التفاوض من دون ترتيبات ميدانية واضحة، أصبح احتمال تحول الوضع المؤقت إلى أمر واقع أكبر. ولهذا لا تتعلق أهمية المفاوضات بنتائج الجلسات الرسمية فقط، وإنما بقدرتها على منع تكريس وقائع جديدة يمكن أن تجعل أي اتفاق مستقبلي أكثر صعوبة.

الدور الأميركي

يمثل الدور الأميركي عنصرًا أساسيًا في هذه المعادلة، لكنه في الوقت نفسه موضع جدل داخل لبنان. فواشنطن مطالبة لبنانيًا بالضغط على إسرائيل لوقف الاعتداءات والالتزام بالتفاهمات، بينما تقدم دعمًا سياسيًا وأمنيًا لإسرائيل وتربط استقرار الجبهة اللبنانية بمسألة سلاح حزب الله.

هذا الوضع يجعل الوساطة الأميركية أمام اختبار حقيقي. فإذا اقتصرت على إدارة الخلاف من دون ممارسة ضغط فعلي على الطرف الأقوى ميدانيًا، فقد تستمر المفاوضات من دون نتائج حاسمة. أما إذا استطاعت واشنطن تحقيق توازن بين المطالب الإسرائيلية والضمانات المطلوبة للبنان، فقد يصبح اتفاق الإطار قاعدة لتسوية أوسع. وفي الحالتين، يبقى لبنان الطرف الذي يملك هامش الحركة الأضيق، ما يدفعه إلى الحفاظ على المسار التفاوضي مع محاولة منع تحوله إلى غطاء لفرض وقائع جديدة.

مرحلة انتظار

تبدو المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية أمام مرحلة انتظار سياسي أكثر منها أمام تسوية وشيكة. فالانتخابات الإسرائيلية والأميركية قد تؤجل القرارات الكبرى، بينما يواصل الميدان فرض إيقاعه، وتبقى قضية سلاح حزب الله وحضور الجيش والضمانات الأميركية والعلاقة مع إسرائيل ملفات مترابطة يصعب التعامل مع كل واحد منها بمعزل عن الآخر.

ومع ذلك، يظل استمرار التفاوض بالنسبة إلى بيروت أداة أساسية لتجنب مواجهة مفتوحة والحفاظ على موقع الدولة في أي تسوية مقبلة. لكن نجاح هذا المسار يحتاج إلى موقف لبناني أكثر تماسكًا، وإلى دور أميركي قادر على تحويل الوساطة من إدارة للخلاف إلى ضغط فعلي باتجاه تنفيذ التفاهمات. وبين الحسابات الانتخابية والضغوط الميدانية، ستبقى قدرة الأطراف على ضبط التصعيد هي العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد ما إذا كان الجمود الحالي مجرد مرحلة مؤقتة أم بداية لمسار أطول من المراوحة.

https://hura7.com/?p=83926

الأكثر قراءة