الأكثر قراءة

بين التفكيك والتطبيع: لماذا تريد إسرائيل جيرانًا ضعفاء؟

الجيوسياسية الجديدة: من صراع الوجود إلى إدارة الفوضى

محمد عبد اللطيف

 

جريدة الحرة ـ بيروت

مع بداية الربع الأول من الألفية الجديدة، تغيّرت خرائط الصراع في الشرق الأوسط جذريًا. لم تعد المواجهات تُقاس بوضوح بين جيوش وطنية ضد الاحتلال، بل انزلقت المنطقة نحو حروب غير متماثلة، وظهرت كيانات موازية للدولة، وانتشرت مشاريع التقسيم الناعم. في خضم هذا التحوّل، برزت إسرائيل كلاعب مركزي لا يكتفي بالبقاء، بل يسعى لإعادة تشكيل محيطه الإقليمي وفق منطق “إدارة الفوضى لا إنهائها”، والاستثمار في هشاشة الجغرافيا السياسية المحيطة به.

لقد تبدّل المشهد من “صراع عربي-إسرائيلي” إلى صراع داخلي عربي/عربي، ومعه تحولت إسرائيل إلى شريك ضمني – بل فاعل مباشر أحيانًا – في معظم أزمات المنطقة. وهنا تبرز رؤية أستاذ العلاقات الدولية في جامعة شيكاغو، جون ميرشايمر، الذي قال بوضوح: “إسرائيل تسعى لأن يكون جيرانها ضعفاء ومنقسمين، بينما تعتمد كل من الأردن ومصر اقتصاديًا على أميركا، ما يجعلهم يرضخون لإرادتها”.

مدرسة الأمن الإسرائيلي: التفوق لا يتحقق إلا بضعف الآخرين

لا تنفصل هذه الرؤية عن العقيدة الأمنية التي تأسست عليها إسرائيل، وهي عقيدة لا تكتفي بضمان تفوقها العسكري، بل تسعى إلى إنتاج بيئة إقليمية عاجزة، ممزقة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. وهذا ما يفسر دعمها الضمني أو المباشر لحروب داخلية وانقسامات قومية وطائفية، بدءًا من تفكيك العراق وسوريا، إلى تغذية الانقسام الفلسطيني، ومرورًا بتعقيد المشهد في السودان وليبيا ولبنان.

إنها ليست فقط دولة احتلال، بل دولة تخطط لهندسة ما حولها بما يضمن لها أن تبقى القوة المهيمنة، بلا منافسين حقيقيين أو مشاريع مضادة.

الأردن ومصر: السلام المشروط بالتبعية

منذ توقيع اتفاقيات السلام، تم إدخال القاهرة وعمّان إلى معادلة الإقليم بوصفهما “شريكين آمنين”، لكن هذا الشراكة لم تكن ندّية، بل خضعت دائمًا لشروط الدعم الأميركي، الذي يمر عبر بوابة “أمن إسرائيل”. وهكذا أصبحت السياسات الخارجية لكلا الدولتين مرهونة بسقف لا يمكن تجاوزه، خصوصًا في قضايا مثل المصالحة الفلسطينية، أو المواقف من سلاح المقاومة، أو الانفتاح على أطراف إقليمية غير مرغوب فيها من قبل واشنطن وتل أبيب.

التطبيع من الخليج إلى الأطلسي: الجغرافيا في خدمة الهيمنة

تستثمر إسرائيل لحظتها الذهبية في مشهد إقليمي منهك، وتسارع إلى توقيع اتفاقيات تطبيع مع عدد من الدول، محاولة التحوّل إلى مركز إقليمي في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والأمن، بديلاً عن أي مشروع عربي جامع. ولعل الأهم هنا، أن التطبيع لم يعد مشروطًا بحل القضية الفلسطينية، بل بات وسيلة لتجاوزها بالكامل. هذا التحوّل لا يمكن فصله عن سياسة “إضعاف الجيران”، بحيث يصبح التطبيع هو الخيار الوحيد المتاح أمام أنظمة تبحث عن الحماية والمساندة.

حالة فلسطين: الانقسام كأداة استراتيجية

لعلّ المثال الأكثر فجاجة على هذه السياسة هو ما يحدث في فلسطين. فبدلاً من دفع الأطراف الفلسطينية إلى توحيد الصفوف، عملت إسرائيل على تعميق الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، واستثمرت فيه سياسيًا ودوليًا، لتُقنع العالم بأنه “لا يوجد شريك حقيقي للسلام”. وفي الوقت ذاته، تم تشديد الحصار، وتسويق غزة ككيان معزول محكوم من “كيان إرهابي”، بينما تُعامل الضفة كمنطقة حكم ذاتي هش خاضع للتنسيق الأمني.

هل هناك مشروع عربي مضاد؟

إن الاستراتيجية الإسرائيلية ليست وليدة ظرف طارئ، بل سياسة ممتدة ومدروسة، تستند إلى فهم عميق لطبيعة الصراعات في العالم العربي، وطبيعة النظام الإقليمي في ظل الهيمنة الأميركية. السؤال المطروح اليوم: هل هناك مشروع عربي مقابل يعيد تعريف الأمن القومي العربي؟ وهل يمكن للدول العربية أن تتجاوز حالة التبعية، وتنتج نظامًا إقليميًا يوازن قوة إسرائيل بدلًا من أن يخضع لها؟

الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ بإدراك أن “ضعفنا ليس قدرًا”، بل خيار سياسي يمكن مراجعته متى ما توفرت الإرادة والرؤية والمشروع.

كاتب وباحث في الشأن الجيوسياسي والصراعات الدولية

https://hura7.com/?p=63355

الأكثر قراءة