داود رمال
جريدة الحرة ـ بيروت
في ظل التحوّلات الإقليمية المتسارعة، والتحديات الأمنية المتمدّدة على خطوط التماس المشتعلة في أكثر من اتجاه، تعود إلى الواجهة مجدداً فكرة إنشاء آلية تنسيق أو جبهة ثلاثية تجمع لبنان وسوريا والأردن، قاعدتها الأمن، وذروتها الدفاع المشترك عن حدود الدول الثلاث ضدّ الجماعات الإرهابية العابرة للحدود. ما يدفع بهذا الطرح اليوم إلى موقع متقدّم ليس فقط تراكم الأخطار، بل أيضاً تبدّل في الأولويات الإقليمية والدولية، حيث بات الأمن الحدودي والاستقرار الداخلي مقدمة لأي مشروع سياسي أو اقتصادي.

ما يجري خلف الكواليس، أو حتى في العلن، لم يعد مجرد فكرة أو مقترح للتداول، بل بدأ يتخذ طابعاً عملياً من خلال اللقاءات الرسمية الرفيعة المستوى، التي جمعت الملك الأردني عبد الله الثاني، والرئيس السوري أحمد الشرع، ورئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون، في اجتماعات عُقدت على هامش قمم أو في إطار زيارات ثنائية، تمحورت حول التهديدات المشتركة التي تواجه الدول الثلاث، خصوصاً تلك المرتبطة بالمجموعات التكفيرية التي أعادت التسلل إلى المشهد مستفيدة من ضعف الدولة في بعض المناطق، والفراغات الأمنية، وتحوّل النزوح السوري إلى ثغرة بشرية محتملة قد تخترق الداخل في لحظة مفصلية.
اللافت في المشهد هو أنّ هذا الطرح لم يأتِ من أطراف هامشية أو في سياق طروحات إعلامية. بل هو حصيلة مباحثات مباشرة بين قادة الدول الثلاث، ما يعكس تحوّلاً نوعياً في الرؤية السياسية الرسمية حيال الحاجة إلى جبهة دفاع إقليمية مصغّرة، تفرض منطقها في زمن التفكك العربي والانشغال الدولي. والأهم أن هذه المبادرة تلاقي قبولاً دولياً وعربياً، لأنها تصبّ في خانة واحدة: محاربة الإرهاب، وحماية الحدود، وضبط التفلّت الأمني، وهي مسائل تحوز إجماعاً دولياً حتى في زمن الانقسام حول ملفات أكثر تعقيداً.
من زاوية المصلحة اللبنانية تحديداً، يحمل هذا الطرح أكثر من بُعد استراتيجي. فلبنان، الذي لا يزال يكافح لحماية حدوده الشرقية والشمالية من الاختراقات الإرهابية، يعرف تماماً معنى أن تكون تلك الحدود سائبة، وكم كلّفته في السنوات الماضية من اعتداءات وكمائن وتسريبات بشرية. ولعلّ تجربة المعارك في جرود عرسال ورأس بعلبك قبل سنوات، تشكّل درساً بليغاً في كيف أن غياب التنسيق مع الجوار السوري يومها، أو وضع قيود سياسية على أي تعاون ميداني، كلّف البلاد الكثير من الدماء والخسائر. اليوم، ثمة وعي متعاظم لدى القيادة اللبنانية، وعلى رأسها رئيس الجمهورية بضرورة عدم السماح بتكرار تلك المرحلة، وفتح قنوات تواصل وتنسيق أمني مع سوريا والأردن، باعتبار أن المعركة القادمة، إن وُجدت، لن تكون تقليدية ولن تُخاض ضمن جغرافيا مغلقة، بل ستكون مفتوحة على مساحات متعددة، وهو ما يستدعي شبكة دفاع إقليمية مترابطة، لا تتوقف عند خط الرماية، بل تمتد إلى العمق الاستخباراتي والبنية اللوجستية المشتركة.

المقلق أن معظم الجماعات التكفيرية، من “داعش” إلى أخواتها وصولاً إلى الخلايا النائمة التي تتحرك تحت أغطية متعددة، لا تزال تملك القدرة على التحرك ضمن مثلث الفراغ الحدودي بين سوريا ولبنان والأردن، مستفيدة من الثغرات الأمنية، ومن تدفّق النازحين غير المنضبط، ومن ضعف التنسيق في نقاط العبور. ومع عودة العالم إلى سياسة الانكفاء، والانسحاب العسكري من مناطق النزاع، باتت الدول المعنية نفسها مضطرة لإعادة ترتيب بيتها الداخلي، وتعزيز دفاعاتها عبر آليات تعاون، لا بد أن تأخذ طابعاً رسمياً منظّماً، وهذا ما يفسر الطرح الجديد بإنشاء جبهة أو آلية تنسيق ثلاثية.
التعاون الأمني بين الدول الثلاث لا يعني فقط عمليات استخباراتية أو تبادل معلومات حول تحركات مشبوهة. بل يتعداها إلى رسم خرائط انتشار ومراقبة مشتركة، وتفعيل غرف عمليات متصلة، وتحديد مناطق تماس افتراضية لمواجهة أي خطر في لحظته الأولى. ويبدو أن القيادة الأردنية كانت سبّاقة في هذا المجال، نظراً لخبرتها الطويلة في العمل الاستخباراتي، ولحاجتها الحيوية لضبط حدودها الشمالية التي شهدت محاولات تسلل غير مسبوقة في الأشهر الأخيرة. أما سوريا، التي تخوض معركتها المستمرة ضد ما تبقى من جيوب الإرهاب، فتسعى من خلال هذا التنسيق إلى توسيع دائرة الحماية وتعزيز شرعيتها الأمنية عبر شراكة مع دول الجوار. ولبنان، البلد المنهك اقتصادياً والمثقل بأزمات داخلية، يدرك أن الأمن المشترك هو طوق النجاة الوحيد في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن بقاء الخطر قائماً على حدوده يضعه أمام خطر الانفجار في أية لحظة.

وفي الوقت الذي تُطرح فيه هذه الجبهة تحت عنوان “الأمن”، لا يغيب الجانب الاقتصادي والتجاري عن أجندة التنسيق. إذ أن فتح المعابر بين الدول الثلاث، وإعادة ربطها بشبكة مصالح تجارية، من شأنه أن يعيد الروح إلى الاقتصاد المتعثر، ويخلق فرصاً للتبادل التجاري والنقل والخدمات. فلبنان بحاجة ماسة إلى منفذ بري آمن نحو سوريا والأردن، يكون مدخلاً لصادراته وبوابة لعبور السلع باتجاه العراق والخليج، فيما ترى دمشق في هذا المشروع فرصة لإعادة تعويم موقعها الجغرافي في المنطقة بعد سنوات من العزلة. أما الأردن، فلطالما شكّل الجسر الحيوي بين المشرق والخليج، وهو يدرك أن أي استقرار على حدوده الشمالية سيصب في مصلحته الاستراتيجية.
غير أن التحدي الأبرز في هذا الطرح لا يكمن في التنفيذ التقني أو الاتفاق على التفاصيل الأمنية، بل في كيفية تحييده عن التوظيف السياسي أو ربطه بمحاور إقليمية. فنجاح هذه المبادرة مشروط ببقائها خارج الاصطفافات، وبإقناع جميع الأطراف المعنية بأنها تُعنى بالأمن القومي وليس بأجندات داخلية أو طموحات نفوذ. ومن هنا تأتي أهمية الخطاب الهادئ الذي تبنّاه الرئيس عون، واللغة الواقعية التي استخدمها الملك الأردني، والتجاوب المرحلي من القيادة السورية، ما يُوحي بأن ثمّة نضوجاً سياسياً في التعاطي مع هذه المبادرة.
لبنان، في صلب هذه المعادلة الجديدة، سيحصد الكثير إذا أحسن إدارة هذا التعاون. فعلى صعيد ملف النازحين، يشكّل التنسيق مع دمشق وعمان مدخلاً لإعادة تنظيم هذا الملف الشائك، خصوصاً أن كثيراً من الجماعات التكفيرية اندست سابقاً في صفوف النازحين، ما زاد من تعقيدات المسألة. وبالتالي، فإن وجود قناة تنسيق أمنية ثلاثية تتيح تبادل البيانات، وتنظيم العودة الآمنة، وملاحقة أي خلايا نائمة، سيكون عنصراً جوهرياً في تخفيف العبء الأمني والديموغرافي على الداخل اللبناني. أما في ما يخصّ الجماعات التكفيرية، فإن لبنان سيكون للمرة الأولى جزءاً من بنية دفاع إقليمية، لا يتحمّل وحده عبء الملاحقة والرصد، بل يتشارك في المهمة مع أجهزة استخباراتية تمتلك تجارب طويلة وقدرات ميدانية متقدّمة.

هذه الخطوة، وإن بدت متأخرة، تأتي في لحظة مثالية. فالعالم يتجه نحو إقفال الجبهات المفتوحة، لكن الأخطار لم تُقفل. والحلول الأمنية لا يمكن أن تبقى أحادية أو ظرفية، بل لا بد من هندسة شراكات تتخطى الخطاب السياسي، نحو بناء منظومة دفاع إقليمي، يكون فيها كل بلد خط حماية للآخر. وإذا نجح هذا المثلث في تحصين حدوده، فهو سيكون مثالاً يُحتذى لتعاون عربي حقيقي، في زمن تراجع العمل العربي المشترك، وانشغال الدول الكبرى بأزماتها الداخلية.
خلاصة القول، إن طرح إنشاء آلية تنسيق ثلاثية بين لبنان وسوريا والأردن ليس مجرّد تطوّر في مجال التعاون الأمني، بل هو بداية تحوّل استراتيجي في هندسة الأمن الإقليمي، يحمل في طياته فرص حماية، ومصالح اقتصادية، وأبعاداً سياسية قد تعيد إلى المنطقة شيئاً من توازنها المفقود. والرهان اليوم على قدرة هذه الدول على فصل التعاون الأمني عن الحسابات السياسية الضيقة، وعلى إرادة حقيقية في بناء درع عربي موحّد في وجه كل من يسعى إلى تقويض الاستقرار من الداخل والخارج. فإن كان الزمن قد جرّد المشرق العربي من كثير من أدوات قوته، فإن الأمن المشترك قد يكون فرصة لإعادة ترميم ما تهدّم، وصناعة مظلة حماية فعلية، تضع حياة الناس وكرامتهم فوق كل اعتبار.


