جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

مجموعة من الخواطر ؟؟؟؟
الرحيل عن كفرتبنيت… حين تصبح الذاكرة وطنًا
خرجتُ من قريتي في الثاني من آذار عام 2026، عند الساعة الرابعة صباحًا، مع كثيرين ممن دفعتهم أهوال الحرب والخوف من الحصار والمعاناة إلى الرحيل. يومها لم أكن أعلم أن مغادرتي ستكون وداعًا طويلًا، وأن العودة إلى بيتي، وإلى المكان الذي ترعرعت فيه، لن تكون كما كنت أتخيل.
بعد ذلك، باتت القرية تحت الاحتلال من جديد، وأصبح الدمار يخيّم على بيوت كفرتبنيت، بعدما اتخذها الاحتلال خط عبور نحو جبل علي الطاهر، حيث مقام الولي علي الطاهر القائم على قمة الجبل. ومنذ ذلك الحين، لم نعد نعرف شيئًا عن بيوتنا، ولا عن الأزقة التي شهدت طفولتنا، ولا عن الأمكنة التي حملت ضحكاتنا وأحلامنا.
هناك عشنا أجمل سنوات العمر، وهناك ترك لنا آباؤنا وأجدادنا إرثهم، وهناك يرقد كثير منهم في مدافن القرية التي لم تسلم هي الأخرى من الخراب، حتى إن بعض الرفات تشتّت، وكأن الحرب لم تكتفِ باستهداف الأحياء، بل امتدت إلى حرمة الموتى وذاكرة الأجيال.
لم تكن بيوتنا مجرد حجارة أو إسمنت، ولم تكن ملكًا لأحد حتى تُقدَّم فداءً لأحد. كانت ثمرة تعب آبائنا وأمهاتنا، وحصيلة أعمارهم وكفاحهم، وثمرة تعبنا نحن أيضًا، وأحلام أطفالنا الذين كنا نرجو أن يكبروا بين جدرانها كما كبرنا نحن. كنا نعتقد أننا سنسلّم هذا الإرث إلى أولادنا وأحفادنا، كما تسلّمناه ممن سبقونا، لكن الحرب قطعت هذا الامتداد، وكسرت السلسلة التي ربطت الماضي بالمستقبل.
فالبيت ليس جدرانًا وسقفًا فحسب، بل هو ذاكرة. هو رائحة الخبز في الصباح، وصوت الأهل في المساء، وصور من رحلوا المعلّقة على الجدران، والأشجار التي زرعها الآباء، والعتبة التي شهدت أولى خطوات الأطفال، والزوايا التي تحفظ الحكايات. وعندما ينهار البيت، لا يسقط البناء وحده، بل ينهار معه جزء من تاريخ العائلة، وجزء من هوية المكان.
لم أغادر منزلًا فحسب، بل تركت جزءًا من عمري هناك. تركت الأزقة التي حفظت خطوات طفولتي، والأراضي التي كنت أركض فيها بحرية، أطارد العصافير بشغف الصبيان، وأحلم بأيام لا تعرف الخوف.
حرش علي الطاهر
كم كانت رحلاتنا إلى حرج علي الطاهر جميلة. كنا نقضي ساعات طويلة بين أشجاره، نصطاد، ونجمع ثمار البلوط في الشتاء، ثم نشويها على النار ونأكلها كما تؤكل الكستناء، فتمنحنا دفئًا وفرحًا بسيطًا لا يُنسى. كنا نتجول بين الأشجار حتى نلتقي برعاة الأغنام والأبقار، فنقف معهم نتبادل الحديث، ثم نواصل السير غير عابئين بمرور الوقت.
ومع اقتراب المساء، كنا نسلك طريق العودة، فنمرّ عند النبعة. كانت مياهها العذبة محطة نستريح عندها قبل أن نكمل طريقنا إلى القرية، نحمل معنا تعب النهار وفرح الطفولة.
واليوم، لم تعد تلك الأمكنة كما عرفناها. أحرقت الحرب الأحراش، وغيّرت ملامح الأرض، وجرفت معها كثيرًا من الذكريات والمعاني. صار المكان الذي كان يفيض بالحياة يحمل آثار الخراب، وأصبحت الطرق التي حفظت أسماءنا غريبة عن أصحابها.
ومع ذلك، فإن ما لم تستطع الحرب أن تحرقه هو ما بقي حيًا في الذاكرة؛ صور الطفولة، ورائحة التراب بعد المطر، وأصوات الرعاة، وصفاء النبعة، وضحكات الأصدقاء، وكل تلك التفاصيل الصغيرة التي صنعت أجمل سنوات العمر.
قد تغيّر الحرب معالم المكان، وقد تهدم البيوت، وتبعثر المقابر، وتمحو الأشجار والطرقات، لكنها لن تستطيع أن تنتزع من القلب انتماءه، ولا أن تمحو الذاكرة التي تسكن الروح. فالأوطان ليست حدودًا على الخرائط، بل هي الناس، والذكريات، والحكايات، والإرث الذي نحمله في قلوبنا حتى عندما نفقد كل شيء.
الحرب لا تغيّر معالم الحياة فحسب، بل تعيد تشكيلها بقسوة. فهي لا تكتفي بهدم البيوت وإحراق الأشجار، بل تعيد رسم حياة الناس على أنقاض ما بنوه عبر أجيال. تجرف الذكريات كما تجرف الرياح أوراق الخريف، وتترك الأماكن التي كانت تنبض بالحياة غريبة عن أهلها. تتبدّل الوجوه، وتتغيّر المعاني، ويصبح ما كان يومًا مصدرًا للطمأنينة شاهدًا على الفقد.
لكن، مهما بلغت قسوة الحرب، تبقى عاجزة عن محو الذاكرة. فالقرية لا تختصرها حجارتها، بل يسكنها أهلها في قلوبهم أينما كانوا. قد تُهدم البيوت، وتُحرق الأحراش، وتُقتلع الأشجار، لكن رائحة التراب بعد المطر، وصوت النبعة، وظلال حرج علي الطاهر، وضحكات الأطفال في الأزقة، ستظل حاضرة في الوجدان. وفي زحام الخراب، تبقى الذكريات معلّقة بين ما كان وما لم يعد ممكنًا، تحمل حنينًا لا يهدأ، وتُبقي الأمل بأن يبقى الإنسان وفيًا للمكان الذي صنع هويته، مهما طال الغياب.


