جريدة الحرة بيروت

بقلم: د. فريد لخنش مدونة الكاتب د. فريد لخنش
أثار تقرير لوكالة رويترز عن اجتماع سري مزعوم بين مسؤولين من الحكومة السورية وممثلين عن حزب الله في تركيا خلال سبتمبر/أيلول، جدلاً يتجاوز مضمون اللقاء نفسه إلى مسألة أكثر أساسية: هل انعقد الاجتماع بالفعل؟ فقد استندت الوكالة إلى ستة مصادر مطلعة، بينهم مسؤولان سوريان ومسؤول أمريكي ومصدر أمني لبناني بارز قريب من حزب الله، وقالت إن المحادثات جرت بوساطة تركية بهدف احتواء التوتر بين دمشق والحزب. في المقابل، نفت الحكومة السورية وتركيا حدوث اللقاء، فيما لم يصدر عن حزب الله تأكيد علني له.
ويجعل هذا التناقض التعامل مع الخبر مختلفاً عن الأخبار التي تستند إلى إعلان رسمي أو وثيقة منشورة. فرواية رويترز تستند إلى مصادر متعددة تحدثت عن تفاصيل محددة، لكنها لم تقدم دليلاً علنياً يمكن التحقق منه بصورة مستقلة، كما أقرت بأنها لم تتمكن من تأكيد مكان الاجتماع أو مدته أو ما إذا كانت لقاءات أخرى سبقته أو تلته. وفي الجهة المقابلة، جاء النفي السوري والتركي مباشراً، ما يبقي واقعة الاجتماع نفسها في دائرة المعلومات المتنازع عليها.
ماذا نعرف.. وماذا لا نعرف؟
تقول الرواية التي نقلتها رويترز إن مسؤولين سوريين وممثلين عن حزب الله التقوا في تركيا بدعوة من أجهزة الأمن والاستخبارات التركية، وإن المحادثات تناولت خفض التوتر والقضايا الأمنية العالقة بين الطرفين. ووفق المصادر نفسها، طلب الجانب السوري وقف عمليات تهريب الأسلحة عبر الحدود وتفكيك خلايا تابعة للحزب داخل سوريا، بينما قدمت دمشق ضمانة بعدم التدخل عسكرياً داخل لبنان لنزع سلاح حزب الله.
وتضيف الرواية أن ممثلي الحزب لم يقدموا رداً مباشراً على المطالب السورية المتعلقة بالتهريب والخلايا، لكنهم تعهدوا بعدم التدخل في الشأن السوري. كما أشارت المصادر إلى تحقيق تقدم في القضايا الأمنية من دون الوصول إلى اتفاق نهائي أو إصدار بيان مشترك. وتبقى هذه التفاصيل، مثل واقعة الاجتماع نفسها، منقولة عن مصادر مجهلة وليست مثبتة بإعلان رسمي من الأطراف المعنية.
ويمنح السياق الأمني المحيط بالقصة أهمية إضافية للتدقيق فيها. فقد أعلنت السلطات السورية في نهاية سبتمبر/أيلول توقيف ثلاثة أشخاص قالت إنهم مرتبطون بخلية تابعة لحزب الله في منطقة حوض اليرموك بدرعا، بينما نفى الحزب بصورة قاطعة أي صلة له بالمجموعة أو أي وجود أمني وعسكري له في سوريا. لذلك يصعب فصل الرواية عن الاجتماع المزعوم عن حالة التوتر الأمني القائمة أصلاً بين دمشق والحزب.
لماذا يهم احتمال اللقاء أكثر من الإعلان عنه؟
يكشف احتمال انعقاد الاجتماع، قبل معرفة مآلاته، عن حاجة الطرفين إلى قناة اتصال في مرحلة تغيرت فيها قواعد العلاقة بينهما. فقد كان حزب الله حليفاً أساسياً لنظام بشار الأسد خلال الحرب السورية، بينما أصبحت السلطة الجديدة في دمشق تتعامل معه باعتباره أحد الملفات الأمنية التي ترتبط بحركة السلاح والحدود والنفوذ الإقليمي.
ويفتح هذا التحول باباً مختلفاً للعلاقة. فإذا صح أن ممثلين عن الطرفين جلسوا وجهاً لوجه، فإن الأمر لا يعني بالضرورة انتقالهما إلى المصالحة أو التسوية السياسية، بل قد يشير إلى إدراك مشترك بأن القطيعة الكاملة لا تلغي الحاجة إلى إدارة الملفات التي يمكن أن تتحول إلى مصادر احتكاك مباشر. وفي مثل هذه الحالات، قد يصبح الاتصال وسيلة لمنع التصعيد حتى عندما تبقى الخلافات الأساسية قائمة. وتكتسب الوساطة التركية أهمية خاصة هنا. فأنقرة ترتبط بعلاقة وثيقة بالسلطة السورية الجديدة، وقد ظهرت في رواية رويترز بوصفها الجهة التي دفعت نحو فتح قناة بين الطرفين. وإذا صح ذلك، فإن تركيا لا تكون قد استضافت لقاءً أمنياً فحسب، بل تكون قد اختبرت دوراً في إدارة إحدى أكثر نقاط التوتر حساسية على امتداد الساحة السورية–اللبنانية.
أين يظهر لبنان في هذه المعادلة؟
يضع احتمال اللقاء لبنان في قلب الحسابات، حتى لو لم يكن طرفاً مباشراً فيه. فالمسألة التي نقلتها رويترز عن المصادر لا تتعلق فقط بالعلاقة بين دمشق وحزب الله، وإنما ترتبط أيضاً بحدود لبنان الشرقية وبحركة السلاح وباحتمال انتقال التوتر من الأراضي السورية إلى الساحة اللبنانية. ويكتسب الحديث عن تعهد سوري بعدم التدخل العسكري في لبنان لنزع سلاح الحزب أهمية خاصة إذا ثبتت صحته. فذلك يعني، في هذه الحالة، أن دمشق حاولت الفصل بين التعامل مع وجود الحزب داخل سوريا وبين الصراع اللبناني حول سلاحه. ومن شأن هذا الفصل، إذا تحول إلى موقف مستقر، أن يحد من احتمال انتقال الخلاف السوري–الحزب إلى مواجهة داخل لبنان.
لكن لا ينبغي تحويل هذه الجزئية إلى استنتاج أوسع من المعلومات المتاحة. فالمصادر نفسها قالت إن الاجتماع، إن كان قد حدث، لم ينته إلى اتفاق نهائي. كما لم تتحدث الرواية عن تفاهم سوري–حزب الله بشأن مستقبل الحزب في لبنان، وإنما عن ترتيبات أمنية محددة تتعلق بالحدود والتهريب والنشاط داخل الأراضي السورية.
ماذا يكشف الغياب الإيراني؟
يضيف الحديث عن عدم مشاركة إيران المباشرة في الاجتماع المفترض طبقة أخرى من الأسئلة. فقد نقلت رويترز عن مصدر لبناني أن حزب الله شارك بعلم طهران، لكن إيران لم تكن طرفاً مباشراً في المحادثات، وأن استياءها من عدم المشاركة كان أحد أسباب عدم الوصول إلى اتفاق نهائي، وفق المصدر نفسه. ولا يكفي هذا المعطى وحده للقول إن دمشق بدأت إدارة علاقتها بالحزب بعيداً عن إيران. لكنه يطرح احتمالاً مهماً: أن تصبح بعض الملفات الأمنية بين سوريا وحزب الله قابلة للبحث عبر قنوات مباشرة أو بوساطات إقليمية جديدة، من دون أن تمر بالضرورة عبر البنية التي حكمت العلاقات خلال عهد الأسد.
وقد يكون هذا التحول، إذا تأكد عبر وقائع لاحقة، أهم من مضمون أي تفاهم جزئي. فإعادة تشكيل قنوات الاتصال يمكن أن تكون مؤشراً على تغير أوسع في طريقة إدارة النفوذ، حتى عندما تبقى التحالفات القديمة قائمة بصورة أو بأخرى.
مالذي سيحسم الرواية؟
لن تحسم البيانات السياسية وحدها الجدل حول الاجتماع، بل ستصبح المؤشرات اللاحقة أكثر أهمية. فإذا ظهرت اتصالات سورية–حزب الله متكررة عبر تركيا، أو ظهرت إجراءات متزامنة على الحدود السورية–اللبنانية، أو تراجعت حدة الاتهامات المتبادلة، فقد تعزز تلك الوقائع احتمال أن تكون قناة اتصال ما قد فُتحت بالفعل، حتى لو بقيت تفاصيلها غير معلنة. وقد يسير المسار في اتجاه آخر تماماً. فإذا لم تظهر أي مؤشرات لاحقة على استمرار الاتصالات، واستمر النفي السوري والتركي، وبقي حزب الله على موقفه العلني بشأن عدم وجوده في سوريا، فقد يصعب الانتقال من تقرير استخباري غير مؤكد إلى استنتاج وجود مسار تفاوضي ثابت.
ويفرض ذلك التمييز بين وقوع الاجتماع ودلالته. فالواقعة تحتاج إلى إثبات مستقل، بينما يمكن تحليل دلالاتها الافتراضية إذا ثبتت. وإذا صح أن اللقاء انعقد فعلاً، فإن أهميته لن تكمن في أنه أنهى الخلاف بين دمشق وحزب الله، بل في أنه سيكون أول مؤشر معروف إلى استعداد الطرفين لفتح قناة مباشرة لإدارة نقاط الاحتكاك بعد تغير السلطة في سوريا. أما لبنان، فسيتأثر بهذا المسار بقدر ما تنتقل القضايا التي نوقشت خلف الكواليس إلى إجراءات على الحدود أو إلى مواقف أكثر وضوحاً تجاه سلاح حزب الله وحركته الإقليمية. ولهذا تبدو الأسابيع المقبلة أكثر أهمية من الرواية الأولى نفسها؛ فالسلوك اللاحق للأطراف قد يكون أقدر على اختبار صحة ما جرى خلف الأبواب المغلقة من أي نفي أو تأكيد سياسي.


