الأكثر قراءة

بين الضغوط الأمريكية والاستقلال الأوروبي: أين تتجه مكانة ألمانيا داخل الناتو؟

جريدة الحرة بيروت

DWـ في تصريح لافت، عبّر الرئيس الأمريكي ترامب عن غضبه من ألمانيا وحلفاء الناتو، قائلاً إنه طلب منهم “دعماً بسيطاً” خلال الحرب مع إيران، لكن الرد جاء بالرفض، ما فجّر جدلاً جديداً حول التزام الحلفاء والدور الأوروبي في الناتو.

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقاد ألمانيا، معرباً عن “خيبة أمله” من موقفها خلال اجتماع مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته في البيت الأبيض يوم الأربعاء (24 يونيو/ حزيران بتوقيت واشنطن). وقال ترامب إن الولايات المتحدة تنفق “مئات الملايين من الدولارات” على القوات المتمركزة في ألمانيا وأوروبا. وأضاف أنه خلال الحرب مع إيران ناشد الحكومة الألمانية قائلاً: “أعطونا دفعةً خفيفة، أعطونا قُبلةً صغيرة. لا نريد الكثير”. لكنهم قالوا: “لا، لا يمكننا فعل ذلك”، بحسب ما نقلت وسائل إعلام ألمانية مثل صحيفتي “بيلد” و”تاغس شبيغل”.

روته يخفف التوتر ويدافع عن ألمانيا

وفي المقابل، سعى الأمين العام للناتو مارك روته إلى احتواء التوتر، معترفاً بوجود إحباط أمريكي، لكنه اعتبر أن ما حدث “حالة فردية”، مؤكداً أن ألمانيا أوفت بالتزاماتها الثنائية تجاه الولايات المتحدة. وشدد روته على أن برلين زادت بشكل ملحوظ من إنفاقها الدفاعي، تلبية لمطالب واشنطن.

تريليون ترامب”.. عرض لإقناع الرئيس الأمريكي

وفي محاولة لإقناع ترامب، قدّم روته عرضاً بصرياً لزيادات الإنفاق الدفاعي لدى الحلفاء، تضمن رسوماً بيانية ولافتة تحمل عبارة “تريليون ترامب”، في إشارة إلى حجم الاستثمارات العسكرية الجديدة. ورغم الإشادة بقيادة ترامب، لم ينجح العرض في تهدئة انتقاداته، إذ وسّع هجومه ليشمل فرنسا وإيطاليا وبريطانيا، متهماً الحلفاء بـ”خذلان الولايات المتحدة”.

خلافات تلقي بظلالها على قمة الناتو

تأتي هذه التصريحات في وقت حساس، مع استعداد الحلف لقمة مرتقبة يومي 7 و8 يوليو/ تموز في أنقرة، وسط توتر متصاعد بين واشنطن وشركائها الأوروبيين.
وكان روته قد شارك قبل اللقاء في اجتماع أوروبي في برلين لبحث دعم أوكرانيا، في مؤشر على تشابك الملفات الأمنية داخل الحلف.

أزمة ثقة متصاعدة داخل الحلف

وتعكس تصريحات ترامب استمرار التوتر داخل الناتو، حيث يطالب منذ فترة الدول الأوروبية بتحمّل نصيب أكبر من أعباء الدفاع. كما كرّر مؤخراً انتقاداته لألمانيا ودول أخرى بسبب ما يراه تقاعساً في دعم الولايات المتحدة، ولوّح مجدداً بإمكانية عدم الدفاع عن بعض الحلفاء في حال الضرورة. وتكشف تصريحات ترامب عن فجوة متزايدة في الثقة داخل الناتو، بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، في وقت تواجه فيه القارة تحديات أمنية متزايدة. وبين لغة “القبلة الصغيرة” وردود الفعل الدبلوماسية، يبدو أن الخلافات داخل الحلف لم تعد مجرد تفاصيل عابرة، بل أزمة تتصاعد قبيل قمة حاسمة.

مآلات الأمن الأوروبي في ظل الضغوط الأمريكية على ألمانيا

تتجه العلاقات الألمانية الأمريكية نحو مرحلة حرجة من إعادة التقييم البنيوي، حيث تتجاوز الضغوط الحالية مجرد الخلاف على أرقام الميزانيات الدفاعية لتصل إلى جوهر الشراكة الاستراتيجية. يتطلب المشهد الراهن من برلين صياغة مقاربة جديدة للتعامل مع المطالب الأمريكية المتشددة، تبدأ من تسريع وتيرة التحديث العسكري الفعلي خارج الأطر التقليدية البطيئة، والتحول نحو دور قيادي أكثر حسمًا في القارة الأوروبية. هذه الديناميكية تضع صناع القرار في ألمانيا أمام حتمية الموازنة بين الحفاظ على المظلة الأمنية لـواشنطن، وبين بناء استقلالية استراتيجية أوروبية قادرة على الصمود في حال تراجع الالتزام الأمريكي.

يواجه حلف شمال الأطلسي (الناتو) خطر التحول من تحالف أمني قائم على الدفاع المشترك غير المشروط، إلى مظلة تخضع لمنطق الصفقات والمصالح المتبادلة المباشرة. تفرض هذه الرؤية الأمريكية البراغماتية تحديًا وجوديًا لبنية الحلف، إذ يتأثر التماسك الداخلي سلبًا بمقايضة الدعم العسكري بالمواقف السياسية في ملفات خارج النطاق الجغرافي للحلف، كالملف الإيراني. هذا الانقسام يهدد بإضعاف مصداقية بند الدفاع المشترك (المادة الخامسة)، مما يمنح الأطراف المنافسة دوليًا فرصة لاستغلال هذه التصدعات السياسية قُبيل القمم الحاسمة مثل قمة أنقرة المرتقبة.

من المرجح أن يشهد المستقبل الأمني القريب صعود تيار يدفع نحو “أوربة” الدفاع كخيار إجباري لا بديل عنه لمواجهة تقلبات السياسة الخارجية الأمريكية. تفرض هذه التحولات على الدول الأوروبية الكبرى، وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا، دمج خططها العسكرية وتوحيد قنوات الإنفاق الدفاعي للوصول إلى الاعتماد الذاتي على النفس في إدارة الأزمات الإقليمية. يظل الناتو الإطار الأهم للأمن الجماعي، لكن استمراريته بفعالية تعتمد على مدى قدرة القادة الأوروبيين على تقديم أنفسهم كشركاء أقوياء وأنداد، وليس كمستهلكين للأمن ينتظرون الدعم من واشنطن.

https://hura7.com/?p=80786

الأكثر قراءة