جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

يواجه لبنان اليوم واحدة من أخطر مراحل “الصيرورة” الوطنية، حيث تتشابك النيران المستعرة على الحدود مع انسداد واضح في أفق الحلول الدبلوماسية. إن الوقائع الراهنة تشير إلى أن المنطقة لم تعد أمام مجرد مواجهة حدودية، بل هي بصدد إعادة رسم موازين قوى إقليمية عبر الجغرافيا اللبنانية، وسط مناخات دولية لا توحي بقرب الحل، وأولوية ميدانية يفرضها التصعيد الذي يطغى على صوت المفاوضات.
إن المتابع للموقفين الأميركي والإسرائيلي يلحظ جفاءً تجاه المبادرات الرئاسية اللبنانية الرامية لإيجاد مخرج دبلوماسي مباشر. ففي الوقت الذي يسعى فيه لبنان الرسمي للحفاظ على ثوابت السيادة عبر الأطر القانونية، يبرز التوجه الإسرائيلي نحو تصعيد العمليات العسكرية، وسط مؤشرات متزايدة على اتخاذ قرار الغزو البري لمنطقة جنوب الليطاني. هذا التوجه يعكس رغبة في فرض “أمر واقع” أمني يتجاوز التفاهمات التقليدية، ويجعل من الميدان هو المرجعية الوحيدة والنهائية لرسم حدود المرحلة القادمة.
أما الموقف الأميركي، فيبدو كأنه يمنح الضوء الأخضر الضمني لهذا المسار، دون إبداء جدية حقيقية في كبح جماح التصعيد أو التفاعل مع الطروحات السيادية اللبنانية. هذا “الارتباك” أو التجاهل الأميركي لا ينفصل عن الرؤية الأوسع للمنطقة، حيث تبرز محاولات لتدويل الصراع وربط الميدان اللبناني بملفات إقليمية كبرى، كمضيق هرمز والاشتباك المفتوح مع إيران، ما يضع لبنان في قلب حرب استنزاف طويلة الأمد، تتصارع فيها القوى الكبرى على استراتيجيات الخروج والسيطرة.
وفي ظل هذا التباين الحاد، يعيش الداخل اللبناني حالة من الاستقطاب حول طبيعة المواجهة؛ فبين من يراها “حرب الآخرين” على حساب السيادة الوطنية، وبين من يعتبرها معركة وجودية تفرضها ضرورة الدفاع عن الكيان في وجه محاولات الإلغاء السياسي والعسكري. ومع تكاثر الإشاعات والأقاويل التي تهدف إلى إضعاف الجبهة الداخلية، يبرز الصمود في الميدان كعنصر حاسم يمنع تحول لبنان إلى ساحة مستباحة للتوازنات الخارجية، ويحفظ للمفاوض اللبناني قدرته على الرفض والقبول رغم الضغوط الهائلة.
إن الخروج من هذا المأزق التاريخي يقتضي الترفع عن السجالات التي قد تثير الحساسيات بين المكونات الوطنية، والتوجه نحو صياغة تسوية تحت النار، تعيد الاعتبار لسيادة الدولة وجيشها الوطني كحصن وحيد. إن “النواميس” السياسية تفرض اليوم تلاحماً وطنياً يقطع الطريق أمام أي محاولات لاستغلال الانهيار الاجتماعي أو الاقتصادي كأداة ضغط سياسي لتمرير ترتيبات أمنية تخدش الكرامة الوطنية.
إن حقيقة الواقع في الميدان اليوم هي التي تملك الكلمة الفصل؛ فبينما تسعى إسرائيل لإنهاء الوجود السياسي والعسكري لقوى المقاومة، يثبت الواقع أن السيطرة الميدانية والقدرة على الاستنزاف هما السد المنيع أمام الغزو الشامل وتغيير وجه لبنان. إن “اليوم التالي” لن يولد من رحم المبادرات التي تُقابل بالرفض في واشنطن وتل أبيب، بل من رحم الصمود الذي يُجبر العالم على الاعتراف بلبنان كدولة قوية بجيشها، متماسكة بمكوناتها، ومستنهضة لثوابتها السيادية. إن الحل المستقبلي يكمن في “مؤتمر إنقاذ وطني” يعيد ترتيب البيت الداخلي وفق منطق “الدولة الراعية”، ويحصن البلاد من التحول إلى ورقة مقايضة في صراعات لا سقف لها.


