جريدة الحرة بيروت

بقلم د. محمد حلاوي
ليست زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت مجرد محطة دبلوماسية عابرة في سجل العلاقات الثنائية؛ بل هي حراك يحمل أبعاداً تتجاوز اللقاءات البروتوكولية والاتفاقيات الموقعة. تأتي هذه الخطوة في أعقاب تحول تاريخي جذري شهدته دمشق، وفي توقيت إقليمي يعيد رسم توازنات المنطقة بأسرها. والأهم من ذلك، أنها تفتح الباب أمام سؤال لم يُطرح بهذا الوضوح منذ استقلال البلدين: هل طُوِيَ حقاً زمن إدارة العلاقات عبر القوى السياسية والأجنحة الحزبية، ليحل مكانه عهد الندية بين دولتين مستقلتين؟
منذ الاستقلال، غاب الاستقرار الحقيقي عن مسار العلاقات اللبنانية–السورية، إذ تراوحت النظرة التاريخية بين التعاون والصدام، والتقارب والقطيعة. في كثير من المحطات، لم تتعامل دمشق مع بيروت بوصفها كياناً مستقلًا مكتمل السيادة، وهو أمر نبع أساساً من الفكر السياسي الذي هيمن على العاصمة السورية لعقود؛ فالبيان التأسيسي لحزب البعث في أواخر أربعينيات القرن الماضي رفض مبدأ فصل لبنان عن سوريا، واعتبر البلدين وحدة جغرافية وسياسية لا تتجزأ.
مع دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976، تُرجمت هذه الأدبيات النظرية إلى واقع سياسي ملموس. وعلى مدى ثلاثة عقود، تحولت دمشق إلى اللاعب الأقوى في تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية؛ فكانت شريكة في تشكيل الحكومات، وتسمية رؤساء الجمهورية، والتمديد لهم أو استبدالهم، وصياغة السياسات الداخلية والخارجية، وصولاً إلى تركيب اللوائح الانتخابية.
لكن الإنصاف التاريخي يستدعي الاعتراف بأن هذه الحقبة لم تكن نتاج رغبة سورية منفردة. فمعظم القوى السياسية اللبنانية، بمختلف تلويناتها، نسجت خطوطاً دافئة مع دمشق، واستثمرت في نفوذها اللبناني لمكاسب فئوية، قبل أن تنقلب إلى الخصومة طبقاً لتبدل المصالح والتحالفات. لذا، فإن قراءة ذلك الماضي تتطلب إنصافاً وموضوعية، بعيداً عن الانتقائية أو إلقاء اللوم على طرف دون الآخر.
إرث الماضي وحسابات السيادة الجديدة
اليوم، تبدو المشهدية مختلفة تماماً. فمنذ صعود القيادة السورية الجديدة إلى سدة الحكم، تعمد الرئيس أحمد الشرع التأكيد في أكثر من مناسبة على أن سوريا لا تتطلع إلى إحياء سياسات الهيمنة أو التدخل في شؤون جيرانها. وجاءت زيارة الوزير أسعد الشيباني لترجمة هذا التوجه علناً، لا سيما من خلال تبديد التكهنات وحسم الموقف بنفي أي نية للتدخل العسكري، وهو ما يكتسب أهمية مضاعفة بعد أسابيع من الإشاعات حول احتمال انخراط دمشق في مواجهات على الأراضي اللبنانية.
قوبل هذا الموقف بترحاب لبناني واسع، كونه يقدم مقاربة مغايرة لمفهوم السيادة، ويؤسس لقاعدة أن أمن لبنان تصنعه مؤسساته الشرعية وشعبه، تماماً كما أن أمن سوريا واستقرارها هما مسؤولية الدولة السورية وحدها. هذا التحول، إن قُدّر له الثبات، سيمثل حجر الزاوية في صياغة مستقبل العلاقات.
على المقلب الإجرائي، حققت الزيارة خطوة عملية لافتة تمثلت في توقيع اتفاقية إنشاء “اللجنة العليا اللبنانية–السورية المشتركة”، لتطوي بذلك حقبة “المجلس الأعلى اللبناني–السوري” بصيغته القديمة. ولا تكمن أهمية هذا الإجراء في المسمى الجديد، بل في الفلسفة السياسية الكامنة وراءه؛ فالعلاقات لم تعد تُدار خارج القنوات الرسمية أو عبر أطر استثنائية فوق الدولتين، بل باتت تمر عبر آليات مؤسساتية واضحة تضع ملفات الحدود، والأمن، والاقتصاد، والطاقة، والتبادل التجاري على طاولة حكومتين مسؤولتين بشكل مباشر.
تتعاظم أهمية هذا المسار بالنظر إلى المصالح الحيوية المتبادلة. فالسوق السورية تظل الرئة البرية الأساسية لصادرات لبنان نحو العالم العربي، في حين يحتاج الاقتصاد السوري المطروح على خط إعادة الإعمار إلى المرافئ اللبنانية والتعاون الاستثماري. علاوة على ذلك، فإن الأمن بين البلدين متشابك بقوة، سواء في ملف مكافحة الإرهاب، أو ضبط الحدود، أو وأد الفتن الداخلية، وصولاً إلى مواجهة التحديات الناتجة عن الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة التي تطال الطرفين.
قنوات الدبلوماسية: الدولة أم المكونات؟
رغم هذه الأجواء الإيجابية، ثمة تفصيل في جدول أعمال الزيارة يستدعي التوقف عنده، من باب الحرص على إنجاح هذه الصفحة الجديدة وليس من باب الانتقاد الإقصائي.
لقد تجاوز برنامج وزير الخارجية السوري اللقاءات الرسمية المعتادة ليتسع إلى سلسلة من الاجتماعات مع قوى حركية، وأحزاب، ومرجعيات دينية لبنانية. وفي حين أن التواصل الدبلوماسي مع مختلف المكونات الوطنية يُعد سلوكاً مألوفاً في العرف الدولي، إلا أن الحساسية المفرطة والتاريخ المعقد للعلاقات اللبنانية–السورية يمنحان هذه اللقاءات قراءات وتأويلات خاصة.
الشارع اللبناني الذي عانى طويلاً من تداخل الحزبي بالرسمي في علاقة بلاده بدمشق، لا يمتلك ترف الفصل السريع بين ممارسات الماضي ووعود الحاضر. بناءً على ذلك، فإن النجاح الحقيقي لسوريا الجديدة لن يُقاس بمدى قدرتها على حشد القوى السياسية حولها، بل بمدى التزامها بإنفاذ قاعدة جوهرية: أن الطريق إلى بيروت يمر حصراً عبر القنوات الشرعية للدولة اللبنانية.
إن دروس التاريخ القريب تظهر بوضوح أنه كلما انحرفت العلاقات الثنائية نحو الزعامات والأحزاب، تعمقت الانقسامات الداخلية اللبنانية وتأزمت الملفات المشتركة. وفي المقابل، كلما كانت الدولة هي المرجعية والاتصال، بقيت التباينات محصورة داخل الغرف الدبلوماسية والمؤسسات بدلاً من أن تتحول إلى وقود للشارع أو مادة للمحاور الإقليمية.
يقف البلدان اليوم أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر، لإرساء علاقات ندية مبنية على الاحترام والمصالح المتبادلة، بعيداً عن عقد الوصاية أو التوجس. وإذا ما كُتب النجاح لهذه التجربة، فلن تكون مجرد مكسب محلي لبيروت ودمشق، بل ستقدم نموذجاً متقدماً في العمل العربي المشترك يؤكد أن حقائق الجغرافيا تفرض التنسيق الشامل، لكنها لا تمنح صكاً للهيمنة.
سوريا هي العمق الطبيعي للبنان، ولبنان هو الامتداد الجغرافي لروسيا الشام؛ وبينهما إرث طويل مثقل بالأخطاء العميقة مثلما هو محصن بالمصالح الاستراتيجية. أما المستقبل، فلا يُبنى بامتراش الماضي واستجرار أدواته، بل بتجاوزه الشجاع نحو شراكة حقيقية تليق بدولتين مستقلتين، تتنفسان برئة واحدة وتحترم كل منهما حدود وسيادة الأخرى.


