الأكثر قراءة

بين حكم القانون ومنطق الغلبة

جان نمّور

جريدة الحرة ـ بيروت

في بلدٍ تعددي كلبنان، لا يكفي الترويج للإصلاحات والحوكمة الرشيدة ما لم يُبنَ كل ذلك على أساسٍ صلب: سيادة القانون. فحكم القانون ليس مجرد أداة لتنظيم العلاقة بين الدولة والمواطن، بل هو الإطار الذي تتحرك ضمنه الجماعات المتنوعة، والضامن لحقوق الأفراد، وهو الحد الفاصل بين الشرعية والفوضى.

تُظهر التجربة اللبنانية أن غياب سيادة القانون يفتح الباب أمام الطوائف للاستقواء على الدولة، فتُستبدل الشرعية بشرعية الغلبة، ويتراجع منطق الدولة لصالح منطق الجماعة. ويبرز هذا الخلل البنيوي بوضوح في النموذج الذي فرضه حزب الله داخل الدولة اللبنانية. فالحزب، الذي يمتلك سلاحًا خارج إطار الشرعية، يشكّل نموذجًا صريحًا لوضع جماعة نفسها خارج منطق القانون، مستفيدًا من هشاشة الدولة لتكريس توازنات خاصة به. وهكذا، يتراجع مفهوم السيادة لصالح الأمر الواقع، ويُختزل حكم القانون إلى ما يُسمح بتطبيقه فحسب، بينما تتحول الدولة إلى كيان هشّ متنازع عليه بين شرعيتين: شرعية الدولة و”شرعية المقاومة”.

الإشكالية الجوهرية التي يعاني منها لبنان تتمثل في الفجوة العميقة بين المبدأ والواقع: إذ وضع نفسه، في أكثر من محطة، خارج مظلة حكم القانون الدولي، سواء عبر تسليمه الضمني بالسلاح غير الشرعي، أو عبر قراره الأحادي بوقف دفع مستحقات “اليوروبوند”، في خطوة اعتُبرت دوليًا إخلالًا قانونيًا بالتزاماته المالية المنصوص عنها قانونًا. والمفارقة الكبرى أن لبنان، في ظل انهياره الاقتصادي والمالي وتآكل الثقة الدولية به، هو في أمسّ الحاجة اليوم إلى تلك المظلة القانونية الدولية لتمنحه الحماية والمصداقية على الساحة الخارجية.

نحن إذًا أمام مفترق طرق بالغ الخطورة: فاستمرار الفوضى القانونية قد يزجّ البلاد في مزيد من الانهيار والعزلة، في حين أن العودة إلى دولة القانون تمثّل الفرصة الوحيدة المتاحة للخروج بأقل ضرر ممكن، مهما كانت مواقف الأطراف الداخلية. فهذه العودة ليست ترفًا فكريًا ولا خيارًا سياسيًا قابلًا للتأجيل، بل أولوية وطنية تمهّد الطريق نحو بناء الدولة الحديثة.

لبنان لن ينهض إلا عندما يتساوى جميع أبنائه أمام القانون، وتُقاس الشرعية لا بالحجم الطائفي أو السلاح، بل بمدى الالتزام بالدستور والحق. فلا إصلاح ممكن، ولا محاسبة، ولا تعافٍ سياسي أو اقتصادي، طالما استمرّت أي جماعة في فرض خياراتها خارج الأطر الدستورية المحلية والقانون الدولي.

المطلوب اليوم ليس فقط إجراء إصلاحات تقنية، بل مراجعة جذرية للمنظومة السياسية القائمة، على قاعدة أن الدولة لا تُبنى بمنطق “الغالب والمغلوب”، بل عبر قانون واحد يُطبّق على الجميع، وقضاء مستقل وحرّ. فالعودة إلى حكم القانون ليست خيارًا سياسيًا، بل مسار وجودي لدولةٍ باتت مهدّدة بالذوبان.

https://hura7.com/?p=63221

 

 

 

 

 

 

الأكثر قراءة