الأكثر قراءة

بين سطوة المجتمع وصوت الذات

من يوميات كاتب في الأرياف

محمد عبد اللطيف

 

جريدة الحرة ـ بيروت

في المجتمعات المغلقة، يولد الإنسان ومعه قائمة جاهزة من “الواجبات” و”العيوب” و”المحظورات”. يولد ليجد نفسه محاطًا بجدران سميكة بُنيت من كلمات الآخرين: لا تفعل، لا تقل، لا تفكر، لا تحلم… وكأن الروح تُسجن قبل أن تتفتح.

غير أنني أدركت مبكرًا أن حياتي ليست مسرحًا يكتبه الآخرون ثم يطلبون مني أن أؤدي فيه دورًا باهتًا. حياتي لي، وهي لا تتشكل إلا من رغباتي، حاجاتي، سعادتي وفرحي. لا أجد معنى في أن أفرض على نفسي أثوابًا خاطها المجتمع ثم أطلق عليها أسماء براقة مثل: العيب، الواجب، المسموح، أو المحرّم الاجتماعي.

قلمي هو ضوئي في هذا العتم، يفتح لي دروبًا لم أعرفها، ويصير صوتًا صادقًا وسط جوقة الأصوات التي تردد بلا وعي ما ورثته من أجدادها. سأظل أكتب وأفكر وأختار، ما دمت أتنفس على هذه الأرض.

لا الحاكم يعنيني، ولا الشيخ ولا القديس ولا شيخ الحارة ولا إبليس. لا المال ولا الجاه ولا السلطان ولا الشهرة. هذه كلها مرايا مشوهة، تصنع أوهامًا حول قيمة الإنسان، لكنها لا تمنحه جوهره. ما يهمني هو ذلك القليل النقي: من يهتم بي، من يمنحني حياةً لا تكون تكرارًا أعمى لما سبق، من يوقظ إنسانيتي.

إنّ المجتمع المغلق يخاف من الحرية لأنه يرى فيها تهديدًا لسلطته، ولذا يصوغ خطابًا يقدّس الطاعة ويحاكم المختلفين. وأعظم جريمة يرتكبها الإنسان في حق نفسه هي أن يدفن ذاته الحقيقية إرضاءً لعيون الآخرين. فما قيمة حياة لا تشبهنا؟ وما جدوى وجود يُملى علينا من خارجنا؟
الحياة قصيرة، ومعناها لا يُصنع من التصفيق العام ولا من مقاعد النفوذ، بل من لحظات الصدق مع النفس، ومن الشجاعة في أن نكون نحن، ولو كان العالم كله ضدنا.

في مثل هذه البيئات، يصبح المثقف جريمة تمشي على قدمين. يُحاكم لأنه يجرؤ على التفكير بصوت مرتفع، ويُنفى معنويًا لأنه لا يرضى أن يكون نسخة مكررة من القطيع. يسمونه شاذًا، مجنونًا، متمردًا… وكلها أوصاف لا تهدف إلا إلى عزله عن الناس. لكن الحقيقة أن المثقف ليس مجنونًا، بل هو العقل اليقظ وسط نوم جماعي طويل. والمجتمع الذي يقتل مثقفيه أو ينفيهم لا يحمي نفسه، بل يحكم على ذاته بالبقاء في عتمة دائمة.

إن المثقف في المجتمع المغلق هو المرآة التي تكشف القبح، وهو الصوت الذي يفضح الأكاذيب، وهو اليد التي تكتب بدلاً من أن تصفق. لذلك كان وجوده دائمًا مزعجًا، خطيرًا، بل أشبه بجريمة في نظر القطيع. غير أن هذا “الجنون” هو الأمل الوحيد في أن تخرج المجتمعات يومًا من نفقها المظلم إلى رحابة الحرية والوعي.

والمثقف الحقيقي لا يعرف لغة الزيف، ولا يكتب للقطيع. إنه يكشف سوء العورات داخل المجتمع بطريقته، دون أن يساوم أو يتواطأ. لقد فضحت شبكات التواصل الاجتماعي اليوم صور الزيف والنفاق والرياء والتفاهة، وكشفت أنصاف الرجال وأنصاف المتعلمين الذين يدّعون المعرفة والنصح. ينزعجون من صوت الكاتب الحر، ويحاولون تقليده، لكنهم يسقطون في الإملاء والسطحية. والخطر الأكبر أنهم يجدون لهم معجبين، يصفقون لهم لا لأن ما يكتبونه صحيح، بل لأنهم يجيدون دغدغة العقول الكسلى.

وكما قال سقراط: “أنا أعرف شيئًا واحدًا، هو أنني لا أعرف شيئًا”. فالأحمق حقًا هو من يدّعي المعرفة، بينما يغيب عنه وعي ذاته وحدودها. وقد أشار ابن رشد في زمنه إلى هذا المرض حين قال: “آفة الناس في هذا الزمان حبّ من يتشبه بالعلماء وهو ليس منهم”، بينما اعتبر نيتشه أن أخطر الأوهام هي أوهام من يظن نفسه حكيمًا في حين أنه لم يغادر بعد قفص القطيع.

https://hura7.com/?p=65800

الأكثر قراءة