الأكثر قراءة

بين شبح “الضريح” واستحقاقات العودة إلى الحضن العربي: من يحاول دفن العلاقات اللبنانية – الإماراتية؟

كارين عبد النوركارين عبد النور

 

جريدة الحرة ـ بيروت

بينما كان اللبنانيون يلتقطون إشارات انفتاح خليجي محتمل على بيروت المأزومة، فجّرت صحيفة “الأخبار” رواية متكاملة عن “غرفة عمليات” إماراتية مزعومة، يقودها مسؤولون أمنيون وإعلاميون، وعلى رأسها مستشار الأمن الوطني، الشيخ طحنون بن زايد، اتُّهمت بالوقوف وراء تقرير بثّته قناة “الجديد” عن نيّة “حزب الله” تشييد ضريح لأمينه العام السابق، السيّد حسن نصرالله، في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية.

وإن بدا الخبر في ظاهره جزءاً من السجال الإعلامي المعتاد، فإن توقيته، وسياقه، وحجم الاتهامات التي طالت دولة كالإمارات، تضعه في إطار أكثر تعقيداً من مجرد ردّ على مادة صحافية.

قبل أيام فقط، كانت الإمارات قد استقبلت رئيس الجمهورية اللبنانية، جوزيف عون، في زيارة حملت أبعاداً استراتيجية، وتُرجمت بتعهّدات دعم عسكري واستثماري وإنساني. خطوة فتحت باب التفاؤل بعودة السياح والاستثمارات الخليجية إلى لبنان، وأعادت الحرارة إلى خطوط دبلوماسية بقيت باردة لسنوات، في أعقاب تصاعد نفوذ “حزب الله” وهيمنته على القرار الرسمي في بيروت.

لكن، وكما في كل محطّة تقارُب عربي مع لبنان، خرجت نيران الداخل لتقصف جسور التواصل. فجأة، تصبح الإمارات – الدولة التي لم تعلن يوماً خصومة مع أي طرف لبناني – في مرمى اتهامات تقودها منصات إعلامية محسوبة على محور المقاومة.

العلاقات اللبنانية – الإماراتية لم تكن يوماً عابرة. فمنذ تأسيس دولة الإمارات في سبعينيات القرن الماضي، شكّل اللبنانيون جزءاً عضوياً من نهضتها التعليمية، والإعلامية، والمصرفية. وكانت أبو ظبي من أوائل العواصم العربية التي احتضنت الجالية اللبنانية، وأسهمت في إعمار لبنان بعد الحرب الأهلية.

لكن، منذ عام 2016، ومع تنامي تغلغل “حزب الله” في مفاصل الدولة، وجرّ لبنان إلى محور إقليمي معادٍ للمنظومة الخليجية، بدأت العلاقات بالتراجع. ففُرضت إجراءات صارمة على التحويلات، ثم حُظرت التأشيرات، وانكفأت الإمارات عن أي استثمار أو تعاون، في مشهد عكس حجم انعدام الثقة.

اليوم، وبينما تظهر مؤشرات على تبدّل في المزاج الخليجي – وتحديداً مع بروز مقاربة أكثر واقعية لملف لبنان – تأتي هذه الضربات الإعلامية لتعيد التوتر إلى الواجهة، وتُذكّر بأن “الدولة العميقة” في لبنان، لم تسلّم بعد بخسارة نفوذها (أو جزء وازن منه على الأقل).

من المستفيد؟ ليس سرّاً أن أي انفتاح خليجي على بيروت يُترجَم خسارة استراتيجية لـ”حزب الله”. فكلما اقترب العرب من الداخل اللبناني، ازداد الضغط على المنظومة التي تُحكم قبضتها على القرار السياسي، والإداري، والاقتصادي.

اتهام الإمارات اليوم، وقبلها السعودية، بمؤامرات إعلامية وأمنية، ليس إلا انعكاساً لهشاشة المشهد اللبناني، ومحاولة لقطع الطريق على أي “تطبيع” عربي مع مؤسسات الدولة.

والسؤال البديهي هو: من الذي يربح من ضرب هذه العلاقة؟ ومن يريد بقاء لبنان رهينة العزلة؟ كما من يخشى فعلياً من استعادة بيروت لموقعها ضمن الحضن العربي؟

بين “ضريح” السيّد نصرالله و”غرفة عمليات” الشيخ طحنون، يضيع سؤال السيادة. ففي الوقت الذي تنشغل فيه القوى الفاعلة بحسابات الإعلام والنفوذ، يفقد لبنان ما تبقّى له من فرص الإنقاذ. وإذا كان التقرير الإعلامي قد فتح الباب أمام جولة جديدة من السجال، فإن الردّ عليه بطريقة تمزج نظرية المؤامرة بالتحريض على علاقات لبنان الخارجية، لا يمكن قراءته إلا كجزء من “خطة دفن” لبنان في مقبرة المحاور المتخاصمة، حيناً، والمتفاوضة، حيناً آخر.

الأكيد أن جلّ اللبنانيين تعبوا من الاختباء خلف “شمّاعة الخارج”، وأدركوا أن الخلاص لا يأتي إلا من الداخل… لكن هذا الخلاص يبدأ، حكماً، بقرار لبناني جريء بنزع هيمنة الحزب – وأي طرف فئوي آخر، بالطبع – عن الدولة، وباستعادة العمق العربي عبر فكّ العزلة، لا تكريسها.

https://hura7.com/?p=53566

الأكثر قراءة