الجمعة, يناير 16, 2026
10.4 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

بين مشروعية المقاومة ومسؤولية التصرّف: خيط رفيع لا يجوز قطعه

د. جاد طعمه

 

جريدة الحرة ـ بيروت

في قلب العاصمة بيروت، وبمقابل صخرة الروشة، كان الموعد مع حدث سياسي استذكر فيه “حزب الله” الذكرى الأولى لاغتيال القائدين السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين. المشهد كان مهيبًا بحشوده وصوره وأعلامه، لكنه كان أيضًا مُظلمًا بتجاوزه الصريح قرارًا رسميًا صادرًا عن رئيس مجلس الوزراء يمنع استغلال المعالم العامة من دون إذن مسبق، وذلك في لحظات سياسية بالغة الحساسية. هذا التناقض يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية تمسّ شرعية الفعل لا المبدأ، وتضع المسؤولية أمام اختبار الولاء للوطن قبل الانتماء للحزب.

سموّ المبدأ وسقوط التطبيق

لا خلاف على أن مقاومة المحتل مبدأ سامٍ تتسابق عليه الأمم، وهو حق تكفله المواثيق الدولية حين تعجز الدولة عن أداء دورها في الدفاع عن سيادتها. لكن الخطيئة الكبرى تبدأ عندما يتحوّل هذا المبدأ النبيل إلى غطاء لأخطاء في الأداء أو تجاوزات في التصرّف. إن الإصرار على استغلال معلم عام كصخرة الروشة، خلافًا لإرادة الدولة ممثّلة برئيس مجلس الوزراء، ليس انتقاصًا من الحق المصان بالمقاومة، بل دفاعًا عن هيبة الدولة التي تُعدّ الحاضن الأساسي لهذا الحق. ومثلما اعتبرنا أن القرار المتّخذ كان سيئًا في توقيته، فلا بد من الإقرار بأن التمرّد على القرار هو أيضًا خيار خاطئ. وإن كان الخطأ البشري واردًا، فإن تحويله إلى ثقافة وممارسة هو ما يهدّد شرعية المبدأ نفسه. ولعلّه كان مطلوبًا تظهير حزب الله كمتمرّد على الدولة اللبنانية، وقد نجح ذلك الفخ.

من تحرير الأرض إلى دخول دهاليز السياسة

لقد منحت الشرعية الدولية والداخلية للمقاومة حقّ الوجود لتحقيق هدف واضح هو تحرير الأرض. لكن المفارقة تكمن في أن دخول شخصيات محسوبة على المقاومة كأعضاء في “النادي السياسي”، بعد انتهاء مرحلة التحرير، أساء إلى المقاومة وبات يعرّضها لخطر التحوّل من أداة لتحرير الأرض المحتلة إلى لاعب سياسي يغطي الفساد والفاسدين ويجاريهم في التزاماتهم الخارجية. وتلك آفة كبرى. فالسياسة الداخلية بصراعاتها وموازين قواها تختلف جذريًا عن العمل المقاوم وخطاب التحرير. وحين تتحوّل المقاومة إلى جزء من المعادلة السياسية الداخلية، فإنها تدفع ثمنًا باهظًا يتمثّل في تآكل حاضنتها الوطنية التي هي عمودها الفقري.

الروشة… استفزاز أم ذكرى؟ وأين العدو؟

هنا يبرز السؤال المحوري: لماذا الروشة تحديدًا؟ وما الرسالة التي أراد حزب الله إيصالها من هذا المكان؟ هل يغيب عن بال المسؤولين في حزب الله أن خصومهم في السياسة ما انقطعوا يومًا عن التذكير بأحداث السابع من أيار؟ كان الأجدر، في ذكرى شهداء كبار من قادة المقاومة، أن نقف أمام لحظة تأمّل وخطاب وجداني يحاكي عموم أطياف الشعب اللبناني، مؤكّدًا على الثوابت بما يليق بمكانة الشهداء. بهذه الطريقة يكون الردّ على تهديدات العدو الحقيقي، إذ إن استفزاز الشركاء في الوطن لا يخدم سوى العدو.

المشهد الذي رافق الاحتفال، والهتافات من نوع “شيعة… شيعة”، نقل النقمة من مواجهة العدو الذي لا يزال ينتهك السيادة يوميًا إلى شحن النفوس نحو فتنة داخلية. هذا السلوك بالتأكيد لا يخدم المقاومة بل يضعفها أمام الداخل وأمام المجتمع الدولي، لأنه يزرع الشك في نوايا قيادييها الحاليين. والسؤال المشروع الذي يطرح نفسه: هل تقف خلف هذه القرارات قلّة خبرة بأصول العيش المشترك؟ أم أن هناك من لا يزال يعمل على إشعال الفتنة من الداخل مستفيدًا من غياب الحكمة التي عُرف بها السيد نصر الله في أحلك الظروف؟ وهل لا يزال صف العملاء الذين كانوا سببًا في كثير من المآسي التي أصابت بنية حزب الله خلال الحرب موجودًا وفاعلًا في مركز اتخاذ القرار؟

اغتيال القادة… واغتيال الوصايا

الغائب الأكبر في ذكرى الروشة كان الحرص على تطبيق وصايا القائدين المغتالين. فبدلًا من أن تحمل الذكرى رسائل تهديد للعدو بالانتقام، وهو الردّ الطبيعي، رأينا رسائل سلبية موجَّهة إلى الداخل اللبناني، لا يشفع فيها عرض صورة تجمع الشهيد حسن نصر الله مع الشهيد رفيق الحريري وابنه المعزول سياسيًا بقرار إقليمي، لرفضه كشف ظهر المقاومة كما يفعل سواه اليوم. لكنّ الخشية تكمن في التعبئة التي تريد تحويل مسار قتال العدو إلى “تحرير” المناطق الداخلية من “العملاء”. وهي، بلا شك، انحرافة كبيرة في المسار ومعادلة بالغة الخطورة، تشبه إلى حدّ بعيد قرار التدخل في سوريا، الذي كبّد المقاومة خسائر جسيمة من رصيدها الوطني، من دون أن يضيف إلى مشروعيتها شيئًا.

لقد أخطأ حزب الله حين تماهى مع الرواية الأميركية عن “الأصولية السنية الإرهابية”، لأن الهدف كان ضرب صورة كل المنظمات الإسلامية، بما فيها حزب الله. وكلنا يعلم أن “داعش” و”النصرة” ما هما إلا أدوات استخدمتها الولايات المتحدة لبسط نفوذها، فيما يُسجَّل عليها غيابها التام عن نصرة غزة على مدى أكثر من عامين، حتى بعد أن تسلّم أحد أبرز وجوهها زمام الحكم في سوريا.

لكنّ الأكثر إيلامًا هو تهريج بعض المسؤولين في حزب الله خلال إحياء هذه الذكرى، وهو سلوك ينمّ عن انفصال عن جوهر الحدث ويُسيء إلى قدسية المناسبة. يبدو أن الشهداء يُغتالون مرتين: مرة بالرصاص، ومرة بانحراف مَن خلَفهم عن وصاياهم ونهجهم الوطني الجامع.

إن استمرار المقاومة المشروعة، والتي نستطيع الدفاع عنها من على المنابر، رهينٌ باستمرار الإيمان بأنها جزء من نسيج الدولة، وليست دويلة فوقها، وبأنها قادرة على كشف الأفخاخ المعدّة لها والقفز فوقها كلما اقتضت المصلحة الوطنية العليا. ورأسمال المقاومة الأوحد هو الحاضنة الشعبية الوطنية العابرة للطوائف، وأي عمل يهدر هذه الثقة هو طعنة في ظهر المشروع المقاوم برمّته.

إن التصرفات الصبيانية والهفوات الطائشة، فضلًا عن تغذية الخطاب الطائفي، لن تؤدي إلا إلى تأجيج الفتنة الداخلية، وسترجّح كفّة من يريدون للمقاومة أن تتحوّل من مشروع تحرير إلى أداة صراع داخلي لتصفيتها. ولا شك أن لدى حزب الله جحافل من أصحاب الحكمة، ولا يجوز تسليم زمام القرار إلى الحاقدين، لأن الفرحة قصيرة الأجل ستقابلها أحزان طويلة وخذلان إضافي للبيئة الحاضنة التي أثبتت ولاءها.

يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: أليس في استمرار هذه الممارسات خيانة لدماء الشهداء وتكريسًا لاغتيالهم مرة أخرى، كلما انحرف المسار من الوطنية إلى الطائفية؟ الجواب عند القائمين على القرار، وعند الشعب الذي سيكون الحكم في النهاية.

https://hura7.com/?p=67258

 

الأكثر قراءة