جريدة الحرة بيروت
بقلم د. محمد حلاوي
في لحظة إقليمية مشتعلة تتقاطع فيها الجبهات من ايران واسرائيل إلى جنوب لبنان، يقف لبنان أمام اختبار مزدوج:
اختبار عسكري على الحدود، واختبار سياسي في الداخل.
المواجهة الدائرة اليوم ليست حرباً شاملة، لكنها أيضاً ليست اشتباكاً عابراً. إنها إدارة نارٍ عند سقف مرتفع، محكومة بتوازن دقيق بين الردع والانزلاق. وفي موازاة ذلك، تشهد الدولة اللبنانية تحوّلاً سياسياً غير مسبوق منذ عقود، يعيد طرح سؤال: من يملك قرار الحرب والسلم؟
أولاً: لحظة سياسية مفصلية – إعادة تثبيت مفهوم السيادة
للمرة الأولى منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، تعلن الحكومة اللبنانية بوضوح لا لبس فيه أن قرار الحرب والسلم هو حصراً بيد الدولة اللبنانية، وليس بيد أي تنظيم أو قوة خارج المؤسسات الشرعية.
ما صدر عن مجلس الوزراء، وما أعلنه رئيس الحكومة القاضي نواف سلام، لا يمكن التعامل معه كقرار إداري عادي. نحن أمام تحوّل في مفهوم السلطة والسيادة.
عندما تقول الحكومة إنها:
– تحظر أي نشاط عسكري خارج إطار الدولة،
– وتكلّف الأجهزة الأمنية والجيش اللبناني بمنع إطلاق الصواريخ وتوقيف المخالفين،
فهذا يعني عملياً إعادة تثبيت منطق الدولة الذي نصّ عليه اتفاق الطائف قبل أكثر من ثلاثة عقود، والذي دعا بوضوح إلى حصر السلاح والقرار الأمني بالمؤسسات الشرعية وحدها.
لسنوات طويلة، كان حزب الله لاعباً مقرِّراً في السياسات الحكومية ومؤثراً مباشراً في خيارات الدولة الخارجية والأمنية. لكن ما نشهده اليوم هو نتيجة تراكم مغامرات عسكرية غير محسوبة أدخلت لبنان في مواجهات مكلفة سياسياً واقتصادياً وأمنياً، ووضعت البلاد أمام أخطار وجودية.
انتقال الحزب — شاء أم أبى — من موقع القوة العسكرية الخارجة عن إطار الدولة إلى موقع الحزب السياسي الذي يعمل تحت سقف القانون، هو المسار الطبيعي الذي يفترض أن تسلكه كل القوى اللبنانية دون استثناء، كما أشار إليه الدستور واتفاق الطائف.
هذه ليست مواجهة داخلية، بل إعادة تنظيم للعلاقة بين الدولة ومكوناتها.
ثانياً: المشهد العسكري – تصعيد مضبوط لا قرار حسم
ميدانياً، تؤكد مراكز دراسات عسكرية أننا أمام أربعة احتمالات رئيسية:
1- استمرار الاشتباك المضبوط
السيناريو الأرجح هو بقاء المواجهة تحت سقف الحرب الشاملة.
إسرائيل لا ترغب بجبهة استنزاف طويلة في الشمال، خصوصاً في ظل انخراطها في صراع أوسع مع إيران.
وفي المقابل، يدرك حزب الله أن لبنان لا يحتمل انهياراً إضافياً في ظل أزمته الاقتصادية.
التصعيد هنا مرتفع، لكنه مضبوط الإيقاع، قائم على رسائل ردع أكثر منه على قرار بالحسم العسكري.
2- توسيع العمليات وفرض واقع أمني جديد
قد تلجأ إسرائيل إلى توغلات محدودة أو ضربات أوسع في العمق بهدف إنشاء منطقة عازلة فعلية جنوب الليطاني.
هذا السيناريو يرفع مستوى المخاطر، لأنه قد يدفع الحزب إلى توسيع بنك الأهداف داخل إسرائيل، فتتحول المواجهة من إدارة نار إلى معركة كسر إرادة، ولو من دون إعلان حرب رسمية.
3- انزلاق غير مقصود
في بيئة مشحونة وكثيفة النار، يكفي خطأ تقدير — ضربة نوعية كبيرة أو سقوط عدد مرتفع من المدنيين — ليفرط تصعيداً متدحرجاً خارج السيطرة السياسية.
هذا الاحتمال أقل ترجيحاً، لكنه يبقى وارداً لأن كثافة العمليات تزيد احتمالات الخطأ.
4- تثبيت منطقة عازلة بحكم الأمر الواقع
من دون احتلال شامل، قد تسعى إسرائيل إلى فرض واقع أمني جديد عبر ضربات متكررة وإخلاءات وضغط نفسي عسكري يخلق شريطاً منخفض الكثافة السكانية.
إنه استنزاف بطيء يهدف إلى تغيير البيئة الأمنية من دون إعلان رسمي.
ثالثاً: التوازن الضروري – السيادة لا تُجزّأ
لكن في المقابل، لا يمكن للدولة اللبنانية أن تتحمل وحدها أعباء هذا التحول.
المعادلة الوطنية لا تستقيم إذا طُلب من لبنان تنفيذ التزاماته السيادية فيما تستمر الانتهاكات الإسرائيلية اليومية للسيادة اللبنانية براً وبحراً وجواً منذ أكثر من خمسة عشر شهراً دون أي رادع دولي فعلي.
هنا تقع مسؤولية مباشرة على المجتمع الدولي، ولا سيما:
الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، وغيرهم واللاعبين الدوليين
المطلوب ليس بيانات دعم نظرية للدولة اللبنانية، بل:
– إجراءات واضحة لتثبيت وقف الانتهاكات،
– ضغط فعلي لاحترام قرار مجلس الأمن 1701،
– وضمان بيئة مستقرة تمكّن الدولة من بسط سلطتها الكاملة.
أي مشروع لبناء دولة قوية يحتكر فيها الجيش اللبناني قرار السلم والحرب لن ينجح إذا بقي الجنوب ساحة مفتوحة للخروقات والاعتداءات.
السيادة لا تُجزّأ:
لا يمكن أن يُطلب من الداخل الانضباط فيما يبقى الخارج متفلّتاً.
الخلاصة الاستراتيجية
المشهد العام يشير إلى أن الاحتمال الأكبر هو استمرار الاشتباك ضمن سقف مرتفع لكن مضبوط، لأن كلفة الحرب الشاملة لا تبدو مصلحة مباشرة لأي من الطرفين. الوساطات الدولية قد تنجح في تجميد التصعيد وإعادة إنتاج معادلة ردع مؤقتة، لكنها لن تنهي جذور الصراع.
وفي الداخل، دخل لبنان مرحلة إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة داخلها. هذه لحظة تحتاج إلى توازن دقيق:
دولة قوية، جيش ممسك بالأرض، وسيادة مصانة من الداخل والخارج معاً.
الخلاصة اليوم، أن اللبنانيين لا يريدون صداماً داخلياً، بل انتقالاً هادئاً نحو دولة طبيعية:
دولة تحمي جميع أبنائها، تحتكر قرار الحرب والسلم، وتحظى في المقابل بضمانات دولية حقيقية تمنع تحويل لبنان مجدداً إلى ساحة رسائل إقليمية.
إنها لحظة مفصلية:
إما أن تتحول إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة،
وإما أن تضيع في زحمة الجبهات المفتوحة.


