جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
شهدت أسواق النفط العالمية تقلباً سريعاً عقب الأنباء المتداولة عن اتفاق أمريكي–إيراني يقضي بفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية والنفطية. وقد انعكس هذا الإعلان فوراً على الأسعار، التي تراجعت إلى حدود 80 دولاراً للبرميل، وهو أدنى مستوى لها خلال ثلاثة أشهر، في إشارة واضحة إلى حساسية السوق تجاه أي تطورات مرتبطة بأمن الإمدادات في الخليج العربي.
غير أن هذا التراجع السريع يطرح سؤالاً أكثر تعقيداً: هل يمثل هذا الانخفاض بداية اتجاه هبوطي طويل الأمد، أم أنه مجرد رد فعل مؤقت مرتبط بتوقعات غير مستقرة بعد؟
حالة غموض رغم الإعلان السياسي
رغم التصريحات المتداولة عن اتفاق بين واشنطن وطهران، سواء عبر تصريحات سياسية أو إعلام رسمي، إلا أن المشهد لا يزال يفتقر إلى وضوح كامل بشأن طبيعة هذا التفاهم ومدى استمراريته. فشركات الشحن والتجار، الذين يشكلون العمود الفقري لحركة النفط العالمية، ما زالوا يتعاملون بحذر شديد، بانتظار ضمانات واضحة قبل استئناف حركة الملاحة بشكل كامل عبر المضيق.
هذا التردد يعكس أن الأسواق لا تتعامل فقط مع “إعلان سياسي”، بل مع منظومة مخاطر معقدة تشمل الأمن البحري، والعقوبات، واستقرار الاتفاق نفسه.
فتح المضيق بين زيادة العرض واستمرار القيود
من الناحية النظرية، يؤدي فتح مضيق هرمز إلى زيادة فورية في المعروض النفطي العالمي، بعد إزالة حالة التعطيل أو المخاطر التي كانت تحد من تدفق الإمدادات. كما يسمح بإعادة تدفق كميات كانت محتجزة أو مهددة، ما يضغط على الأسعار نحو الانخفاض.
و لا يبدو أن هذا العامل وحده كافٍ لإحداث انهيار سعري كبير، لأن الطلب العالمي لا يزال مرتفعاً، بل مرشحاً للزيادة في المرحلة المقبلة. فعدد من الدول المستوردة للنفط لجأت خلال فترة التوتر إلى سحب كميات من احتياطاتها الاستراتيجية، ما يفرض عليها حالياً إعادة بناء هذه المخزونات، وهو ما يخلق طلباً إضافياً يعوّض جزئياً أي زيادة في العرض.
فإن حالة عدم اليقين بشأن استمرارية الاتفاق تدفع العديد من الفاعلين في السوق إلى تبني سلوك تحوطي، يقوم على شراء النفط أو الاحتفاظ بمستويات سعرية مرتفعة نسبياً تحسباً لأي تصعيد مفاجئ، سواء في الخليج أو عبر أطراف إقليمية أخرى.
عامل الجيوسياسة: هشاشة الاتفاق
يُنظر إلى أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران على أنه اتفاق هش بطبيعته، قابل للتراجع أو الانهيار في أي لحظة نتيجة تطورات إقليمية أو عسكرية، سواء في البحر الأحمر أو لبنان أو غيرها من بؤر التوتر.
هذا الإدراك الجيوسياسي يحدّ من قدرة الأسعار على الهبوط الحاد، لأن الأسواق لا تسعّر “السلام المؤقت” بقدر ما تسعّر “احتمال العودة إلى التوتر”.
دور أوبك+ واحتمالات التوازن أو الانفلات
و يبقى تحالف أوبك+ أحد العوامل الحاسمة في تحديد اتجاه الأسعار. فاستمرار التنسيق بين الدول المنتجة يحدّ من أي فائض كبير في العرض، بينما قد يؤدي أي تباين أو تخفيف في الالتزام بالحصص إلى زيادة الإنتاج بشكل غير منضبط.
وفي سيناريو متطرف يتمثل بانهيار اتفاق أوبك+، يمكن أن تتجه الأسعار نظرياً إلى مستويات منخفضة جداً قد تصل إلى حدود 30 دولاراً للبرميل، إلا أن هذا السيناريو يبقى ضعيف الاحتمال في الظروف الحالية، نظراً لحاجة المنتجين إلى الحفاظ على توازن السوق والإيرادات.
النفط الإيراني والعقوبات: عامل إضافي معقد
من العوامل المؤثرة أيضاً مسألة العقوبات المفروضة على النفط الإيراني. ففي حال تخفيفها أو رفعها جزئياً، ستتمكن إيران من توسيع صادراتها نحو أسواق متعددة بدلاً من الاعتماد شبه الكامل على السوق الصينية.
هذا التطور، إذا تحقق، سيضيف كميات جديدة إلى السوق العالمية، ما يعزز الضغوط النزولية على الأسعار، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى فترة زمنية لإعادة بناء شبكات التصدير، وتأمين العقود، وإعادة تنظيم سلاسل النقل والتأمين البحري.
التقديرات المستقبلية: استقرار أكثر من انهيار
تشير تقديرات عدد من المحللين والمؤسسات المالية إلى أن عودة الملاحة الطبيعية عبر مضيق هرمز لن تؤدي إلى هبوط حاد في الأسعار، بل إلى إعادة تموضعها ضمن نطاق جديد أكثر استقراراً.
ففي حين يرى بعض المحللين أن الأسعار قد تستقر بين 75 و85 دولاراً للبرميل، تتوقع مؤسسات مالية كبرى مثل “غولدمان ساكس” أن يبقى متوسط خام برنت قريباً من مستوى 80 دولاراً في الربع الأخير، مع تعديل طفيف عن توقعات سابقة كانت أعلى.
كما تشير تقديرات أخرى إلى أن العودة إلى مستويات أدنى مثل 60–65 دولاراً، التي سُجلت في فترات سابقة، تبدو غير مرجحة في المدى القريب، بسبب استمرار التوترات الجيوسياسية والطلب القوي.
تأثيرات غير مباشرة على أسواق الطاقة
لا تقتصر التداعيات على النفط فقط، بل تمتد إلى أسواق الغاز الطبيعي، خصوصاً في أوروبا، حيث قد يؤدي استقرار تدفق الإمدادات من الخليج إلى تخفيف الضغط على الأسعار تدريجياً. غير أن هذا التراجع يبقى محدوداً، بسبب ضعف المخزونات الأوروبية وارتباط الأسعار بعوامل موسمية واستيرادية معقدة.
في المحصلة، يمكن القول إن فتح مضيق هرمز – في حال تثبيت الاتفاق فعلياً – يمثل عاملاً ضاغطاً على أسعار النفط، لكنه لا يكفي وحده لإحداث انهيار سعري كبير. فالسوق العالمية اليوم تتحرك داخل شبكة معقدة من التوازنات تشمل العرض، والطلب، والمخزون الاستراتيجي، والتحالفات النفطية، والمخاطر الجيوسياسية.
وبالتالي، فإن السيناريو الأقرب هو استقرار الأسعار ضمن نطاق مرتفع نسبياً (75–85 دولاراً للبرميل)، مع بقاء احتمالات التقلب قائمة في أي لحظة، ما يعكس أن سوق النفط لا يزال رهينة التوازن الهش بين السياسة والطاقة.


