جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
في مشهد دولي يتسم بتشابك المصالح وتداخل الملفات الساخنة، تعود قضية تايوان لتتصدر واجهة التوتر بين واشنطن وبكين، ليس فقط بوصفها نزاعًا إقليميًا، بل كورقة تفاوض ثقيلة في يد القوى الكبرى. وفي قلب هذا المشهد، تتحرك العلاقة بين دونالد ترامب وشي جينبينغ خارج إطار الصداقة أو التحالف، لتبقى محكومة بمنطق المصالح المتبادلة والضغط السياسي.
على الرغم من اللقاءات المتكررة بين الزعيمين، لا يبدو أن بينهما تقاربًا حقيقيًا. فالتواصل المباشر، الذي يعوّل عليه ترامب أحيانًا لدفع الصين إلى اتخاذ مواقف معينة، لا سيما في ما يتعلق بتقليص دعمها لإيران، يصطدم بجدار من الخلافات البنيوية بين القوتين العظميين. وفي مقدمة هذه الخلافات تأتي قضية تايوان، التي تحولت إلى محور استراتيجي حساس في العلاقات الأميركية الصينية.
تايوان والقوة الصينية
ترى بكين أن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضيها، وتلوّح باستخدام القوة في حال إعلان الجزيرة الاستقلال. في المقابل، تلتزم الولايات المتحدة، بموجب أطرها القانونية والسياسية، بتقديم الدعم الدفاعي لتايوان، بما يعزز قدرتها على الردع دون أن يصل ذلك إلى حد إعلان الحماية العسكرية المباشرة. هذا التوازن الدقيق يجعل من الجزيرة نقطة اشتعال دائمة في العلاقات الأميركية الصينية.
في الخلفية، تعمل واشنطن على تعزيز وجودها العسكري في محيط شرق آسيا، عبر قواعدها في اليابان والفلبين، إضافة إلى مناورات عسكرية دورية مشتركة مع الحلفاء في المنطقة. وترى الصين في هذا الانتشار تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ما يدفعها إلى تسريع بناء منشآت عسكرية في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي، في سباق نفوذ لا يخلو من التصعيد المستمر.
تايوان والثمن الغالي في الاستراتيجيات السياسية
ضمن هذا السياق، تتحول تايوان إلى ما يشبه “الورقة الاستراتيجية” في الحسابات السياسية. فبالنسبة لترامب، يمكن استخدامها كأداة ضغط في التفاوض مع بكين، سواء في الملفات الاقتصادية أو في ملفات إقليمية أخرى مثل إيران. إلا أن هذا المنطق، القائم على المقايضة السياسية، يصطدم بتعقيدات الواقع، حيث لا تبدو الصين مستعدة لتقديم تنازلات في قضية تعتبرها مرتبطة بالسيادة والوحدة الوطنية.
من زاوية أخرى، تكشف الأرقام حجم الرهان العسكري والاقتصادي المرتبط بالجزيرة. فقد بلغت قيمة آخر حزمة أسلحة أميركية موجهة إلى تايوان نحو 14 مليار دولار، في خطوة تعكس استمرار الدعم العسكري غير المباشر. وتؤكد القيادة التايوانية حاجتها لهذه الأسلحة بوصفها عنصرًا أساسيًا في استراتيجية الدفاع الذاتي، مع إدراكها أن المواجهة المحتملة مع الصين لن تكون مدعومة بتدخل أميركي مباشر.
السياق التاريخي والسياسي لا يفقد قيمته
هذا الواقع يستند إلى إرث تاريخي يعود إلى عام 1972، حين فتح الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون صفحة جديدة مع الصين، في خطوة هندسها هنري كيسنجر، وأدت إلى إعادة صياغة العلاقة مع بكين على حساب الاعتراف الدبلوماسي بتايوان. ورغم هذا التحول، لم تتخلّ واشنطن بالكامل عن دعم الجزيرة، بل أبقت على التزامات أمنية غير رسمية، مدعومة بقوانين داخلية تنظم هذا الدعم.
في الوقت ذاته، لا يمكن فصل ملف تايوان عن التوترات الأوسع في الشرق الأوسط، خاصة في ما يتعلق بإيران. فالصين، باعتبارها أحد أكبر مستوردي النفط الإيراني، تجد نفسها في موقع حساس بين الحفاظ على مصالحها الاقتصادية وبين تجنب التصعيد مع واشنطن. ورغم الاتهامات الغربية لبكين بتقديم دعم عسكري غير مباشر لطهران، تنفي الصين هذه المزاعم وتصفها بأنها غير دقيقة.
المحيط الهادئ والسياسات العسكرية
ومع إعادة توزيع القوات الأميركية نحو المحيط الهادئ، عادت قضية تايوان إلى الواجهة باعتبارها نقطة التماس الرئيسية في التنافس الاستراتيجي بين القوتين. وفي هذا السياق، أثارت تصريحات تتحدث عن مناقشات مباشرة بين ترامب وشي حول مستقبل تايوان قلقًا في الجزيرة وداخل الكونغرس الأميركي، خاصة بعد تلميحات إلى إمكانية استخدام الملف كورقة تفاوض.
تزداد الصورة تعقيدًا مع الحديث عن سلسلة لقاءات محتملة بين الزعيمين خلال العام، تشمل زيارات متبادلة وقمم دولية، ما يعيد طرح سؤال استخدام الملفات الحساسة كورقة تفاوض في علاقة يغلب عليها الطابع التنافسي.
إذا، في هذا المسار المتشابك من الدبلوماسية المتوترة، تبقى تايوان أكثر من مجرد ملف عالق؛ إنها نقطة اختبار دائمة لقدرة القوتين على إدارة التنافس دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، وفي الوقت نفسه ورقة تفاوض حساسة قد تعيد رسم ملامح العلاقة بينهما في السنوات المقبلة.


