الأكثر قراءة

تتحول السيطرة على أسعار النفط من البئر إلى قطاع النقل…

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تتقدم إيران من طرف خارجي إلى لاعب رئيسي في أمن الطاقة العالمي، فيما تصبح روسيا، المنخرطة في نظام التأمين وعقود المقايضة ومسارات النقل البديلة، عنصرًا محوريًا في منظومة الإمداد الجديدة.

تأثير “اتفاق الإطار” على أسعار النفط

يشير اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وإيران، رغم عدم حسمه، إلى تحول في سوق النفط. فالهيكلية السابقة، التي كان يُحدد فيها سعر البرميل إلى حد كبير عبر التوافق بين واشنطن والرياض وانضباط أوبك+، لم تعد فعّالة بالشكل نفسه. وفي هذا السياق، لم تعد طهران مجرد هدف للعقوبات، بل أصبحت جهة مستقلة لتنظيم تدفقات النفط.

يمر جزء كبير من صادرات النفط الخليجية عبر مضيق هرمز، ما يجعل هذا الممر عاملًا حاسمًا في تحديد الأسعار. وحتى مع استئناف الشحن، سيظل مضيق هرمز مؤثرًا في الأسعار والتدفقات، إذ تبقى كلف التأمين، وجداول الناقلات، واستعداد المشترين لدفع علاوة مقابل ضمان الإمدادات، عناصر ثابتة في التسعير، حتى في حال التوصل إلى اتفاق أمريكي–إيراني، وهو ما يظل غير محسوم.

دور إيران في المنظمات الدولية لإنتاج النفط

إيران عضو في منظمة أوبك وجزء من تحالف أوبك+ الموسع. وقد خضع إنتاجها خلال السنوات الأخيرة لنظام خاص بفعل العقوبات، ما جعل التزامها بحصص التحالف أقل صرامة من غيرها. وتُعد إيران من أكبر منتجي أوبك، عادة في المرتبة الثالثة أو الرابعة بعد السعودية والعراق، وأحيانًا الإمارات. لكن صادراتها ظلت متقلبة بسبب العقوبات وسلاسل التوريد وقيود الدفع، رغم قدرتها على إعادة كميات كبيرة إلى السوق بسرعة.

لا تقتصر قدرة إيران على زيادة صادراتها، بل تمتد إلى التأثير في صادرات الآخرين. فالموقع الجغرافي والسيطرة على أمن الملاحة في مضيق هرمز، بما في ذلك القدرة على فرض الاستقرار أو التهديد عند الضرورة، يمنحان طهران نفوذًا متزايدًا على تدفقات النفط، ويضعفان الدور التقليدي لدول الخليج في ضبط الأسعار.

السعودية وتأثيرها على الأسواق العالمية

لا تزال السعودية تمتلك أكبر طاقة إنتاجية فائضة، مع قدرتها على ضخ مئات آلاف البراميل الإضافية يوميًا بسرعة نسبية، لكن السيطرة على الأسعار باتت تنتقل من البئر إلى اللوجستيات.

بالنسبة إلى أوبك+، لا يشير الوضع الحالي إلى انهيار، بل إلى تحول في موازين القوى داخل التحالف. فإلى جانب “عامل هرمز”، تظهر عوامل أخرى تضغط على الاستقرار، منها توسع إنتاج دول مثل كازاخستان والبرازيل ضمن أطر تعاون مختلفة، وعودة بعض الإمدادات من فنزويلا، وتغيرات داخلية في التزام بعض المنتجين.

عندما تبدأ دول الخليج في استعادة كمياتها المفقودة، لن تواجه فراغًا في السوق، بل منافسة قائمة بالفعل. ومن غير المستبعد أن يظهر نظام تفضيلي خاص للنفط الإيراني عبر هرمز في ضوء التطورات الأخيرة.

استفادة روسيا من استقرار الأسعار

لا تستفيد روسيا من فوضى سعرية أو انهيار حاد في الأسعار، بل من برميل مستقر وبسعر معقول، ما يجعلها عنصر توازن داخل أوبك+. في المقابل، تحاول أطراف أخرى استغلال الفرص أو تعويض خسائرها عبر زيادة الإنتاج.

يتجه النظام الجديد إلى ثلاثية أقطاب. تبقى الولايات المتحدة أكبر منتج ومصدر، قادرة على التأثير عبر النفط الصخري والاحتياطيات والبنية المالية والعلاقات مع المستهلكين. وتحتفظ دول الخليج بقدرات إنتاجية ضخمة وتكاليف منخفضة، لكن استقلالها في تحديد الأسعار يصبح أقل صرامة بفعل عامل هرمز والمنافسة الداخلية.

أما روسيا، التي عززت نظام التأمين وعقود المقايضة والمسارات البديلة، فيُصبح صعود مشاريع مثل طريق بحر الشمال عنصرًا إضافيًا في بنية الإمداد الجديدة على المدى البعيد.

اذًا، يعكس هذا التحول في بنية سوق النفط العالمية أكثر من مجرد إعادة توزيع لحصص الإنتاج أو مسارات الإمداد، بل يشير إلى انتقال أعمق في طبيعة القوة الاقتصادية ذاتها. فالمعادلة التي حكمت الأسواق لعقود، والتي كانت ترتكز على مركزية البئر النفطية والتحكم المباشر في الإنتاج، تتراجع تدريجيًا لصالح منظومة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع أمن الممرات البحرية وشبكات النقل والتأمين.

في هذا السياق، لا يعود التأثير محصورًا في الدول المنتجة الكبرى وحدها، بل يمتد إلى الدول القادرة على التحكم في نقاط العبور الحيوية أو إعادة توجيه التدفقات عبر مسارات بديلة. وهنا تحديدًا تتبلور أهمية إيران في مضيق هرمز، وأهمية روسيا في شبكات النقل والتأمين والمسارات الشمالية والشرقية، بوصفهما عنصرين يساهمان في إعادة تعريف مفهوم “التحكم بالسوق” بدل الاكتفاء بامتلاك الموارد.

كما أن هذا التحول لا يلغي دور أوبك+، لكنه يعيد صياغته من إطار تنظيمي تقليدي إلى مساحة تفاوض دائمة بين مصالح متباينة، حيث لم يعد الانضباط الداخلي مضمونًا فقط عبر الحصص الإنتاجية، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بعوامل خارجية مثل الاستقرار الجيوسياسي، وأمن الممرات، وتوازنات العقوبات والعلاقات الدولية.

وبذلك، يبدو أن سوق النفط يدخل مرحلة أكثر تشتتًا في مراكز القرار، وأقل قابلية للاحتكار من قبل فاعل واحد أو محور واحد. فبدلًا من هيمنة واضحة على الأسعار والتدفقات، يتجه النظام نحو شبكة متعددة الأقطاب، تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة ودول الخليج وروسيا وإيران، ضمن توازنات دقيقة تتغير باستمرار تبعًا للتطورات السياسية والأمنية.

وفي ظل هذا المشهد، تصبح القدرة على إدارة المخاطر، وتأمين الإمدادات، والتحكم في المسارات اللوجستية، عناصر لا تقل أهمية عن حجم الإنتاج نفسه. وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مرحلة “قوة الشبكات” بدل “قوة المصدر”، حيث تتوزع السيطرة وتتعقد، بدل أن تتمركز وتبسط.

https://hura7.com/?p=80946

الأكثر قراءة