جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
أعاد تقرير نشرته صحيفة “هآرتس” العبرية، قد فتح الجدل حول ما إذا كانت القيادة الإسرائيلية قد تلقت تحذيرات مسبقة بشأن استعداد حركة حماس لتنفيذ هجوم واسع قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وفي هذا السياق، نشرت صحيفة “نزافيسيمايا غازيتا” الروسية بتاريحخ 8 ايلول 2026 تعليقًا وتحليلًا للتقرير الإسرائيلي، تناولت فيه ملابسات التحذير المزعوم والأسئلة التي يثيرها بشأن مستوى المعلومات التي كانت متاحة للقيادة السياسية والأمنية الإسرائيلية قبل الهجوم، ومدى التعامل معها بالجدية المطلوبة. ويأتي ذلك ضمن نقاش أوسع حول الإخفاقات السياسية والأمنية والاستخباراتية التي سبقت أحداث 7 أكتوبر، والمسؤوليات المرتبطة بها.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، واستنادًا إلى مقتطفات من كتاب جديد بعنوان رهائن: 843 يومًا من النسيان»، فإن رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، محمد بن زايد، حذّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شخصيًا، خلال اتصال هاتفي قيل إنه جرى قبل نحو عشرة أيام من الهجوم. غير أن التوقف عند هذه الرواية يثير تساؤلات حول مدى مصداقيتها وحدود الأدلة التي تستند إليها، ولا سيما أن التحذيرات والمؤشرات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر لم تكن مرتبطة بمصدر واحد فقط.
فقد سبق الهجوم تداول تقارير عن تحذيرات ومعلومات وصلت إلى إسرائيل من جهات متعددة؛ إذ أعلنت مصر بعد الهجوم أنها حذّرت إسرائيل من احتمال وقوع عملية كبيرة، كما ظهرت تقارير بشأن مؤشرات ومعلومات كانت متوافرة لدى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، إلى جانب تقييمات وتحذيرات أمريكية سابقة. وقد نفى نتنياهو في حينه تلقي تحذير مصري محدد، بينما بقيت بعض تفاصيل هذه الروايات موضع خلاف ونقاش.
ومن ثم، فإن إبراز اسم الإمارات تحديدًا في الرواية الجديدة يستحق التوقف والتحليل، ليس بالضرورة لأن التحذير الإماراتي كان الوحيد أو الأهم، وإنما لأن التقرير يقدمه باعتباره تحذيرًا مباشرًا وصل شخصيًا إلى نتنياهو، وهو ما يمنحه وزنًا سرديًا وسياسيًا خاصًا. ومع ذلك، تبقى هذه الرواية بحاجة إلى مزيد من التحقق، خصوصًا أن أساسها يستند إلى مصادر وشهادات واردة في كتاب صحفي جديد، في حين ينفي مكتب نتنياهو حدوث المكالمة أصلًا.
وعليه، فإن القراءة الأكثر حذرًا تتمثل في التعامل مع التحذير الإماراتي بوصفه رواية صحفية محل خلاف، ووضعه ضمن سياق أوسع من المعلومات والتحذيرات التي سبقت 7 أكتوبر، بدل تقديمه باعتباره الدليل الوحيد على معرفة القيادة الإسرائيلية المسبقة بالهجوم. ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عند تحليل السردية الإعلامية، لأن اختيار مصدر معين وإبرازه، مقابل عدم التركيز على مصادر أخرى، يمكن أن يسهم في تشكيل صورة محددة حول المسؤولية السياسية والأمنية عن الإخفاق الذي سبق الهجوم.
و يشير التقرير إلى أن يحيى السنوار، قائد حركة حماس في غزة آنذاك، كان يستعد لما وصفه التقرير بأنه”حدث كبير”. ووفقًا للرواية نفسها، حثّ محمد بن زايد نتنياهو على التعامل مع المعلومات بجدية، وعلى بذل جهود لإيجاد حلول اقتصادية لقطاع غزة، في محاولة لمنع تدهور الأوضاع. إلا أن التقرير يزعم أن نتنياهو تعامل مع التحذير بتحفظ، واعتقد أن حماس كانت تركز على زعزعة الاستقرار في الضفة الغربية، وليس على تنفيذ هجوم واسع من قطاع غزة.
نتنياهو ينفي حدوث المكالمة
أثار التقرير ردًا مباشرًا من مكتب نتنياهو، الذي نفى بشكل قاطع الرواية الواردة فيه. وقال مكتب رئيس الوزراء إن ما نشرته الصحيفة “كذب محض”، مؤكدًا أن نتنياهو لم يتحدث مع رئيس الإمارات خلال الفترة المذكورة، ولم يتلقَّ منه أي تحذيرات.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن صحة الاتصال المزعوم، في حال إثباتها، ستطرح سؤالًا جوهريًا حول كيفية انتقال المعلومات من المستوى السياسي إلى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وما إذا كانت القيادة الأمنية والعسكرية قد أُبلغت بها في الوقت المناسب.
أما إذا ثبت عدم حدوث الاتصال أصلًا، فإن ذلك يضع الرواية الإماراتية الواردة في التقرير موضع شك، ويجعل من الضروري التمييز بين ما هو موثق رسميًا وما ورد في شهادات أو مصادر صحفية وكتب حديثة.
هل كان التحذير الإماراتي استثنائيًا؟
لا ينبغي فهم الرواية الإماراتية على أنها تعني أن الإمارات كانت الجهة الوحيدة التي امتلكت مؤشرات بشأن احتمال وقوع هجوم. فقد ظهرت قبل 7 أكتوبر تقارير عن مؤشرات وتحذيرات ومعلومات أمنية مختلفة داخل إسرائيل وخارجها، كما برزت لاحقًا نقاشات حول طبيعة المعلومات التي كانت لدى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية ومدى تقديرها لخطر حماس.
وتكمن خصوصية الرواية الإماراتية، وفق التقرير، في الادعاء بأن التحذير لم يصل فقط إلى جهة استخبارية أو أمنية، بل وصل مباشرة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه. ولذلك ركزت السردية الإعلامية على اسم الإمارات، رغم أن النقاش الأوسع حول الإخفاقات السابقة للهجوم يتضمن أطرافًا ومصادر معلومات متعددة.
ومن هنا يبرز سؤال مهم في تحليل الخطاب الإعلامي: هل يؤدي التركيز على تحذير دولة واحدة إلى تضييق إطار النقاش، بدل وضعه ضمن سياق أوسع من المؤشرات والتحذيرات التي سبقت الهجوم؟
قنوات اتصال غير مباشرة بين إسرائيل وحماس
يربط التقرير بين التحذير المزعوم وبين مسار آخر من الأحداث سبق 7 أكتوبر، وهو وجود قنوات اتصال بين إسرائيل وحماس خلال عام 2023. ووفق ما أوردته “هآرتس”، كانت هناك اتصالات غير مباشرة ركزت في بدايتها على القضايا الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بقطاع غزة، بما في ذلك تخفيف القيود وزيادة تدفق الغذاء والوقود.
كما طُرحت أفكار تتعلق بإنشاء مناطق تجارية على الحدود مع إسرائيل ومصر، بهدف توفير فرص عمل لسكان القطاع وتحسين الوضع الاقتصادي. وبحلول صيف 2023، أشارت الرواية الصحفية إلى إحراز تقدم في عدد من الملفات، ولم يتبقَّ سوى قضايا أكثر حساسية، من بينها ملف إسرائيليين محتجزين في غزة.
وبحسب التقرير، كان من الممكن أن يمثل استمرار هذه الاتصالات مدخلًا لتخفيف التوتر، إلا أن بطء اتخاذ القرارات السياسية ساهم، وفق الرواية، في تعثر المسار التفاوضي.
“زلزال” السنوار ونهاية الاتصالات
مع اقتراب موعد الهجوم، تذكر الرواية الصحفية أن يحيى السنوار بدأ يفقد صبره تجاه بطء المفاوضات، وأنه قطع الاتصالات في أوائل سبتمبر 2023. وقبل ذلك، نُسب إليه تحذير للوسطاء من أن عدم إحراز تقدم سيؤدي إلى “مفاجأة كبيرة”لإسرائيل، مطالبًا بإبلاغ الإسرائيليين بأن عليهم توقع “زلزال”.
وتكتسب هذه الرواية أهميتها من كونها تُستخدم لاحقًا في تفسير الهجوم باعتباره نتيجة لمسار تصاعدي كانت له مؤشرات سابقة، وليس حدثًا ظهر بصورة مفاجئة تمامًا في صباح 7 أكتوبر.
بين المسؤولية السياسية والإخفاق الاستخباري
أعادت هذه المعلومات إحياء الجدل حول مسؤولية نتنياهو عن الإخفاق الذي سبق الهجوم. فقد ظل رئيس الوزراء يؤكد أنه لم يكن على علم بخطة الهجوم، وأن الأجهزة الأمنية والاستخبارية لم تقدّم له تحذيرًا واضحًا يستدعي اتخاذ إجراءات استثنائية.
وفي تصريحات سابقة، تساءل نتنياهو عن سبب عدم إيقاظه صباح الهجوم، معتبرًا أن الأجهزة الأمنية لو كانت تعرف حجم الخطر لكان من الممكن إصدار أوامر برفع حالة التأهب وإيقاظ المدن والمناطق القريبة من قطاع غزة.
لكن هذا التفسير لم ينهِ الجدل، إذ يرى منتقدوه أن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان نتنياهو يعرف تفاصيل خطة الهجوم، وإنما أيضًا بما إذا كانت المعلومات والمؤشرات المتوفرة قبل الهجوم قد عولجت بطريقة صحيحة على المستوى السياسي والأمني.
المعارضة تطالب بتحقيق شامل
دفعت هذه التطورات شخصيات سياسية وأمنية إسرائيلية معارضة إلى المطالبة بإجراء تحقيق شامل في ملابسات ما قبل 7 أكتوبر. ودعا عدد من أبرز معارضي نتنياهو إلى فحص المسؤوليات السياسية والأمنية، معتبرين أن الكشف عن معلومات جديدة يستوجب التحقيق في كيفية وصول التحذيرات إلى المسؤولين، وكيف جرى تفسيرها، ولماذا لم تؤدِّ إلى تغيير مستوى الاستعداد الإسرائيلي.
ويتركز الخلاف السياسي في إسرائيل أيضًا حول تشكيل لجنة تحقيق حكومية قادرة على تحديد المسؤوليات، في ظل اتهامات لنتنياهو بالسعي إلى تأخير أو عرقلة مثل هذا التحقيق. وفي المقابل، يرفض نتنياهو الاتهامات التي تحمله المسؤولية المباشرة عن وقوع الهجوم.
البعد السياسي للتحذيرات
لا يمكن فصل الجدل حول التحذيرات عن السياق السياسي الإسرائيلي الداخلي. فقد جاءت هذه التقارير في وقت كان فيه مستقبل نتنياهو السياسي موضع نقاش، وفي ظل استمرار الانقسام حول أدائه منذ هجوم 7 أكتوبر.
وتشير استطلاعات الرأي التي أُجريت في تلك المرحلة إلى استمرار المنافسة الحادة بين معسكر نتنياهو ومعارضيه، مع عدم وضوح قدرة أي طرف على ضمان أغلبية مستقرة في الكنيست. ولذلك، فإن قضية المسؤولية عن الإخفاق الأمني لا تحمل بعدًا أمنيًا فقط، وإنما تحولت أيضًا إلى قضية سياسية يمكن أن تؤثر في صورة الحكومة ومستقبل رئيس الوزراء.
السردية الإعلامية بين التحذير والمسؤولية
تكشف هذه القضية عن تعدد السرديات التي تحاول تفسير أحداث 7 أكتوبر. فهناك سردية تركز على التحذيرات التي سبقت الهجوم، وتبحث في كيفية التعامل معها، بينما تركز سردية أخرى على الإخفاق الاستخباري والمؤسساتي داخل إسرائيل. وفي المقابل، يسعى نتنياهو إلى تأكيد رواية تقوم على عدم معرفته المسبقة بخطة الهجوم وتحميل الأجهزة الأمنية مسؤولية عدم تقديم التحذير المناسب.
ومن هذه الزاوية، لا تكمن أهمية القضية في معرفة ما إذا كان تحذير إماراتي قد وصل إلى نتنياهو فحسب، بل في فهم كيفية بناء الرواية حول المسؤولية عن 7 أكتوبر، ومن يملك المعلومات، وكيف جرى تفسيرها، وأي مصادر يجري إبرازها في الخطاب الإعلامي.
تظهر قضية التحذير الإماراتي المزعوم بوصفها جزءًا من نقاش أوسع حول الإخفاقات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر. فحتى مع استمرار نفي مكتب نتنياهو حدوث الاتصال، فإن إعادة طرح هذه الرواية تفتح المجال أمام أسئلة تتعلق بمسار المعلومات والتحذيرات السابقة للهجوم، وبكيفية انتقالها بين الجهات السياسية والأمنية، وبمدى قدرة المؤسسات الإسرائيلية على تقدير الخطر والاستجابة له.
كما تكشف القضية أهمية التمييز بين التحذير الموثق، والمعلومة الاستخبارية، والرواية الصحفية، والاتهام السياسي، وعدم التعامل معها باعتبارها مستوى واحدًا من الأدلة. ومن ثم، فإن فهم المسؤولية عن إخفاق 7 أكتوبر يتطلب وضع الرواية الإماراتية ضمن سياق أوسع يشمل مختلف المؤشرات والتحذيرات والقرارات السياسية والأمنية التي سبقت الهجوم، بدل اختزال القضية في طرف واحد أو تحذير واحد.


