جريدة الحرة بيروت
بقلم : شوقي سري الدين
هكذا عبر المسلمون عن امتعاضهم وعدم رضاهم عن التحكم المسيحي_الماروني بمكامن السلطة في لبنان بما كان يسمى في حينه بالمارونية السياسية. فركبوا موجة العروبة والاشتراكية التي كانت سائدة في المنطقة العربية في منتصف القرن الماضي بقيادة مصر والمد الثوري الناصري متسلحين بشعار الدفاع عن القضية الفلسطينية ومحاربة المشروع الصهيوني.
كانت أحداث العام 1958 التعبير الأول عن حالة عدم الرضا لدى المسلمين في لبنان، لتكشف انقساما داخليا لم يكن ظاهرا للعلن حيث تمترس المسلمون وراء مشروع الوحدة العربية أسوة بالوحدة التي حصلت بين سوريا ومصر بما عرف بالجمهورية العربية المتحدة التي لم تدم طويلا وكانت تجربة فاشلة بامتياز.
تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية بطلب من كميل شمعون الذي كان رئيس الجمهورية اللبنانية في ذلك الوقت وافشلت طموحات المسلمين بالانضمام إلى الوحده العربية، واوقفت المد المصري الناصري إلى لبنان، بعدما رست البوارج العسكرية الأميركية على الشاطئ اللبناني. وقاد المفاوضات بعد ذلك من الجانب اللبناني مع المصريين الرئيس الجديد فؤاد شهاب، وكانت نتيجتها تحييد لبنان عن المحاور العربية ما أدى إلى مرحلة استقرار داخلي استمر حتى اوائل السبعينيات من القرن الماضي. بعد ذلك، منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1974، بدأ نفوذ حركات التحرير الفلسطيني المسلح يتعاظم في لبنان، وورث الفلسطينيون بعد هزيمة مصر في حرب 1967 الناصرية، خصوصا في لبنان.
من هنا بدأ يتشكل في لبنان تحالف يجمع الفصائل الفلسطينية واليسار والمسلمين، يرتكز على نفس الهدف ويرفع نفس الشعار الا وهو القضية المركزية قضية فلسطين، وهو شعار جامع بين المسلمين والقوى اليسارية، العلمانية بشقيها الماركسي والقومي، حيث أصبح التحالف أمرا طبيعيا بين هذه القوى ومنظمة التحرير الفلسطينية في وجه من يعارض الوجود الفلسطيني المتعاظم، خصوصا القوى المارونية التي رأت في هذا التحالف خطرا على الكيان اللبناني. فتمسك المعارضون بحياد لبنان وسيادته وبإخراج الوجود الفلسطيني، باعتباره جسما غريبا.
وهذا الاستقواء بالفلسطيني، أخل في التوازن الطائفي الهش وأدخل لبنان في حرب 1975. فأسست إثر ذلك الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط التي شكلت تحالف الإسلام السياسي اللبناني مع القوى اليسارية العلمانية الداعمة للوجود الفلسطيني في لبنان وجه جبهة من الأكثرية المسيحية صنفت باليمين اللبناني على اساس ان اليمين بطبيعة الحال هو عكس اليسار. استمرت هذه الحرب لمدة خمس عشرة سنة، حتى بداية التسعينيات وخلفت وراءها دمارا وخسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات وكذلك انقساما طائفيا وأيديولوجيا حادا.
وفي خضم هذا الصراع، وجدت القوى العلمانية المتحالفة مع المسلمين نفسها ضمن حرب طائفية عنيفة بين المسلمين والمسيحين، وبررت ذلك بأن مبادئ الحركة الوطنية، كالديمقراطية والعلمانية، تمثلها، وإنها المبادئ ذاتها التي تجاهد من أجلها لإرضاء جمهورها، بينما كان المسيحيون العلمانيون الذين يعملون من ضمن الحركة الوطنية الضحية الأكبر لهذا التناقض، حيث كانوا ينتهكون من اليمين ومن اليسار في بعض الأحيان .
وقد رفع اليمين اللبناني، ممثلا بحزب الكتائب بقيادة بشير الجميل شعار سيادة لبنان رافعا شعاره الشهير ال10452كم. وفي المقابل، نعته اليسار الإسلامي بالانعزالية والعمالة للصهيونية والعداء للعروبة .
تم اغتيال بشير الجميل سنة 1982 ليسقط معه شعار لبنان أولا، وكذلك وفي نفس السنة سقط مشروع الإسلام اليساري بقيادة الحركة الوطنية على أثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان واخراج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت متوجهتا إلى تونس. فعاد من جديد شعار لبنان اولا والنأي بالنفس عن الخارج. وبعد أكثر من خمسة وعشرين سنة من اغتيال الرئيس رفيق الحريري سنة 2005، رفع المسلمون الشعار نفسه إلى جانب المسيحيين هذه المرة.
وعلى انقاض الحركة اليسارية، بدأت المقاومة الإسلامية التي بدأت تتشكل في لبنان اوائل الثمانينات من القرن الماضي، متأثرة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومدعومة منها، تملأ الفراغ الذي أحدثه انهيار الإسلام اليساري مستندة إلى الشعار ذاته، وهو المقاومة ضد العدو الإسرائيلي وتحرير فلسطين ولكن هذه المرة على قاعدة اسلام سياسي جهادي شيعي. وبالرغم من ذلك، تحالف معها اليسار العلماني اللبناني على اساس الشعار ذاته، وهو القضية الفلسطينية.
لقد شكل هذا التحول دخول إيران الشيعية كلاعب أساسي على الساحة اللبنانية، ما تسبب بانقسام مذهبي، لا سيما بين المسلمين السنة والمسلمين الشيعة، هذا إلى جانب الانقسام الطائفي التاريخي بين المسلمين والمسيحيين، ما ادخل لبنان في صراع دائم بين إيران من جهة واسرائيل من جهة أخرى فانعكس على البلاد تعطيلا وتوترات وادخلها
بحروب مدمرة اهلكت الاقتصاد والعباد واوصلتنا إلى ما نحن فيه حتى يومنا هذا .
هكذا، كانت قوى علمانية تحارب حروب الطوائف مرة تحت شعار علماني في زمن الحركة الوطنية ومرة أخرى تحت شعار ديني في زمن المقاومة الإسلامية، متمثلة بحزب الله. وإسلام يساري يرفع نفس شعار عدو الأمس بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري سنة 2005، وهو ان لبنان أولا. وهذا كان شعار اليمين اللبناني بقيادة بشير الجميل في زمن الحرب.
النتيجة شعارات صاخبة من دون رؤية واضحة لم تضعف العدو الإسرائيلي، بل جعلته أكثر قوة وأكثر اجراما بحق لبنان


