الأكثر قراءة

تحولات الطاقة العالمية: بين استمرار عصر الهيدروكربونات وصعود الطاقة المتجددة….

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

لن يُحرق آخر برميل نفط في محرك، فالهيدروكربونات ستبقى عماد الحضارة الحديثة، ولكن بدور مختلف عن السابق. فهذه الموارد لن تختفي من المشهد العالمي، بل ستتغير طريقة استخدامها، إذ ستتحول بشكل متزايد من مصدر أساسي للوقود إلى مواد خام تدخل في صناعات حيوية تعتمد عليها الحياة المعاصرة، وعلى رأسها صناعة البوليمرات التي تشكل أساسًا للعديد من المنتجات اليومية. وفي المستقبل، قد يصبح حرق النفط والغاز في المحركات دليلًا على الإسراف والهدر، في ظل التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الطاقة عالميًا..

العالم في مرحلة جديدة

يدخل العالم مرحلة جديدة تتسم بإعادة توزيع قاسية وانتهازية لأسواق الطاقة، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الحسابات السياسية والجيوسياسية. ومع التصريحات التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول المملكة المتحدة، ووصفه لها بأنها “دولة فقيرة”، ودعوته إلى إزالة “توربينات الرياح القبيحة” لإفساح المجال أمام عمليات التنقيب في بحر الشمال، برز بشكل واضح أن مرحلة التضحية الاقتصادية باسم المثل البيئية بدأت تتراجع أمام عودة الحسابات الواقعية المرتبطة بالمصالح والطاقة.

لقد بدأت الحسابات الباردة تحل محل بعض مظاهر التطرف البيئي والاجتماعي والحوكمي، إلا أن ذلك لا يعني نهاية الطاقة البديلة أو تراجعها. فالنظر إلى مستقبل الطاقة المتجددة باعتبارها مشروعًا انتهى سيكون قراءة خاطئة، لأنها لا تختفي، بل تدخل مرحلة جديدة من النضج بعيدًا عن الاستخدام السياسي والشعاراتي الذي ارتبط بها في السنوات الماضية.

وفي ظل الصدمات الجيوسياسية المتتالية، شهد قطاع المحروقات التقليدية عودة قوية إلى الواجهة. فقد أدى اضطراب تحالفات الطاقة، والحروب المرتبطة بالعقوبات، وإغلاق بعض طرق النقل الحيوية مثل مضيق هرمز، إلى إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية. وتتحرك القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، من أجل ضمان السيطرة على تدفقات الطاقة والمواد الأولية، وفتح مجالات جديدة أمام الشركات الكبرى للوصول إلى مناطق كانت صعبة أو مغلقة سابقًا.

الحالة الفنزويلية

ويبرز المثال الفنزويلي ضمن هذا السياق، إذ لا ترتبط السياسة الأميركية بالطاقة الخضراء فقط، بل ترتبط أيضًا بالسيطرة على مصادر الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد. فواشنطن تسعى إلى ضمان تدفق السلع والطاقة، وهي مستعدة للتحرك في مختلف الأسواق لتشجيع الإنتاج واستثمار الموارد المتاحة.

أما أوروبا، التي كانت في السنوات الماضية مركزًا أساسيًا للنشاط المناخي والسياسات البيئية المتشددة، فقد بدأت بمراجعة مواقفها تحت ضغط الواقع الاقتصادي. فقد أثبتت أزمة الطاقة الناتجة عن تراجع الاعتماد على المحروقات الروسية أن التحولات السريعة في قطاع الطاقة تحمل مخاطر كبيرة، خصوصًا بعدما انعكست على الصناعة الأوروبية، وبشكل خاص الصناعة الألمانية.

الطاقة النووية ودورها

لقد دفع ذلك الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في موقفه من الطاقة النووية، فلم تعد تُنظر إليها باعتبارها إرثًا ملوثًا من الماضي، بل أصبحت جزءًا من النقاش حول ضمان السيادة والاستقلال الطاقوي. وتحولت الدعوات من إغلاق المحطات النووية إلى تمديد عمرها والعودة إلى استخدامها على نطاق أوسع، إلى جانب استمرار الاعتماد على الغاز، بهدف حماية القاعدة الصناعية الأوروبية من التراجع.

و تشهد الطاقة المتجددة توسعًا متزايدًا، خصوصًا في الصين التي تعد أكبر مستورد للنفط في العالم. فقد رفعت بكين حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة لديها، وتواصل زيادة قدراتها في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ويأتي هذا التوجه ضمن استراتيجية تهدف إلى تقليل الاعتماد على الإمدادات البحرية التي قد تصبح عرضة للخطر في حال حدوث أزمات أو مواجهات جيوسياسية، إضافة إلى تعزيز السيطرة على المعادن الأرضية النادرة وصناعة الألواح الشمسية.

النفط الروسي

أما روسيا، فتسير في مسار أكثر اعتدالًا ولكنه مستقر، حيث تعمل على زيادة قدرات إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح خلال السنوات المقبلة. ورغم أن هذه النسبة تبقى محدودة مقارنة بإجمالي منظومة الطاقة، فإن ذلك يعكس خيارًا مختلفًا يعتمد على تنوع مصادر الطاقة، إذ تمتلك روسيا احتياطات كبيرة من الغاز، وإمكانات واسعة في الطاقة الكهرومائية والنووية، ولذلك لا تسعى إلى استبدال مصادر الطاقة التقليدية بشكل مصطنع.

ويركز تطوير الطاقة المتجددة في روسيا على معالجة احتياجات عملية، خصوصًا تأمين الطاقة للمناطق النائية وإنشاء أنظمة إنتاج موزعة. وقد زادت أهمية هذه الأنظمة بعد الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة والبنية التحتية، حيث أصبحت مصادر الطاقة المستقلة عنصرًا مرتبطًا بالأمن القومي، لما توفره من قدرة على تعزيز مرونة النظام الطاقوي.

التغييرات العالمية في مجال الطاقة

يشهد العالم تغيرًا عميقًا في نمط استهلاك الطاقة. فلم تعد الحاجة إلى الوقود ترتبط بالشكل التقليدي نفسه، مع انتشار السيارات الكهربائية والدراجات الكهربائية والأجهزة الحديثة ذات الاستهلاك العالي للطاقة. وهذا يمثل تحولًا هيكليًا في الطلب العالمي، إذ إن قطاع النقل، الذي يستهلك نسبة كبيرة من النفط، سيشهد تراجعًا تدريجيًا، بينما يتحول النفط والغاز إلى مواد خام صناعية أكثر من كونهما وقودًا فقط.

وستبقى الهيدروكربونات جزءًا أساسيًا من الحضارة الحديثة، ولكن من خلال استخدامات جديدة، فهي تدخل في إنتاج البوليمرات المستخدمة في صناعة المعدات الطبية، ومواد البناء، ومكونات التكنولوجيا الحديثة، إضافة إلى الأمونيا والأسمدة والمواد الكيميائية والدهانات وغيرها من الصناعات الحيوية. لذلك قد يصبح حرق النفط والغاز في المحركات مستقبلًا استخدامًا غير اقتصادي مقارنة بقيمته الصناعية.

أما مفهوم الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية، فلم يختفِ رغم التحولات الأخيرة، بل دخل مرحلة جديدة تقوم على الابتعاد عن النزعة البيئية المتطرفة والانتقال نحو إدارة أكثر واقعية واستدامة للطاقة. وقد تراجعت شعبية بعض الأحزاب الخضراء في أوروبا بعدما اصطدمت سياساتها بواقع ارتفاع تكاليف الطاقة وتأثيرها على حياة المواطنين.

ولهذا السبب يزداد التركيز عالميًا على تطوير أنظمة تخزين الطاقة، حيث شهدت الولايات المتحدة نموًا كبيرًا في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة، كما يتزايد الطلب على بطاريات الليثيوم أيون والتقنيات الجديدة للتخزين. وتسعى دول عدة، ومنها روسيا، إلى تطوير قدراتها المحلية في هذا المجال لتقليل الاعتماد على الواردات.

وفي النهاية، لم تؤدِ أزمة الطاقة العالمية إلى القضاء على الطاقة البديلة، بل ساهمت في إعادة تشكيلها. فلم تعد الطاقة المتجددة مجرد شعار سياسي أو مشروع أيديولوجي، بل أصبحت جزءًا من التحول الاقتصادي والتكنولوجي العالمي. إلا أن هذا التحول يفرض تحديات كبيرة، خصوصًا على أوروبا التي تجد نفسها أمام ضرورة إعادة صياغة سياساتها الطاقوية بما يتناسب مع الواقع الجديد.

فالعالم لا يتجه إلى نهاية عصر الطاقة، بل إلى إعادة تعريف دور مصادرها. وسيبقى النفط والغاز جزءًا من الاقتصاد العالمي، ولكن بطريقة مختلفة، في حين ستواصل الطاقة المتجددة نموها ضمن نظام طاقوي أكثر تنوعًا وتعقيدًا، تحكمه المصالح الاقتصادية والحسابات الجيوسياسية والتطورات التكنولوجية.

https://hura7.com/?p=82081

الأكثر قراءة