جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

أما على صعيد الصلابة الأمنية، فإن الرؤية الخليجية انتقلت من المنظور الدفاعي الكلاسيكي إلى استراتيجية المرونة والتعافي. ففي ظل الحرب القائمة، لم تتعرض المؤسسات الطاقوية في الخليج للاستهداف العسكري المباشر إلا كجزء من معادلة الردع المقابلة لاستهداف المنشآت الطاقوية الإيرانية. هذه المعادلة العسكرية القائمة تفرض ضرورة تبني رؤية دولية تهدف إلى تحييد مصادر الطاقة وتوريدها من الاستهداف كحل جذري لاستقرار الاقتصاد العالمي. ولما كانت إيران تتعرض لضغوط وحصار يطال صادراتها النفطية، فمن المنطقي بموجب موازين القوى أن تتأثر إمدادات الطاقة العالمية بمفاعيل الحرب، خاصة وأن معظم الشركات العالمية التي تدير عمليات التوريد والإنتاج ترتبط بعقود مع دول منخرطة في الصراع ضد إيران، وما الارتفاع الحاد في أسعار النفط إلا تجلٍ واضح لهذه الديناميكية الصدامية.
وفي موازاة ذلك، تبرز استراتيجية المورد المزدوج كجسر نحو المستقبل، حيث يتم المزاوجة بين الهيدروكربونات التقليدية ومصادر الطاقة المتجددة والهيدروجين. إن السعي نحو الريادة في إنتاج الهيدروجين الأخضر والأزرق يعبر عن طموح سياسي لا يكتفي بالحفاظ على الموقع القيادي في سوق الطاقة، بل يطمح لرسم ملامح العصر الطاقي القادم. وهذا التحول يخدم غرضين: الأول هو ضمان النفوذ الجيوسياسي في ظل التوجه العالمي نحو خفض الانبعاثات، والثاني هو تحقيق الاكتفاء الذاتي المحلي عبر الطاقة النووية السلمية والمصادر المتجددة، مما يحرر كميات أكبر من النفط والغاز للتصدير، ويعظم العوائد المالية التي يتم ضخها في الصناديق السيادية لتكون بمثابة صمام أمان اقتصادي ومحرك للاستثمارات العابرة للحدود التي تحمي المصالح الوطنية من التقلبات المفاجئة.
عند مقارنة هذه الاستراتيجية مع مبادئ القانون الدولي، نجد أنفسنا أمام ضرورة مراجعة ثغرات هذا القانون الذي وضع ليكون عادلاً ومساوياً في الحقوق والواجبات. فالقانون الدولي، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يتناول حالة الدول المجاورة للممرات في حالات الحرب، لكن البحث الحقيقي يقتضي أن تكون للقانون مفاعيل تسري على كل الدول بالتساوي، بحيث لا يبرر الحرب للدول المعتدية ويقيد حق الدفاع للدول المعتدي عليها. في الحرب القائمة، يُلاحظ أن القانون الدولي قد هُمش أو استُخدم كغطاء لتبرير الاعتداءات، مما يجعله بحاجة إلى إعادة بناء قانوني يحمل قيم العدالة الحقيقية بدلاً من أن يكون مجرد أداة بيد الطرف الأقوى لتحقيق مصالحه. إن تحييد الطاقة يتطلب إرادة دولية تلتزم بالعدالة القانونية التي تحمي حقوق الدول في السيادة وتصدير مواردها دون حصار أو تهديد.
التحديات القائمة اليوم، وفي ظل الحروب المستمرة وتداعياتها، تفرض واقعاً يتسم بتزايد قدرات الأطراف الإقليمية والقوى المؤثرة ميدانياً على إحداث تأثيرات جوهرية في المشهد الأمني عبر التقنيات الحديثة. كما أن الصراع على النفوذ بين الأقطاب الدولية الكبرى يضع دول المنطقة في منطقة حرجة تتطلب توازناً دقيقاً بين الشراكات الأمنية التاريخية والشراكات الاقتصادية المتنامية. إن استخدام “أوبك بلس” كأداة لإدارة المعروض وضمان توازن الأسعار في ظل وصول سعر البرميل إلى مستويات قياسية، يمثل ضرورة لمواجهة تكاليف التأمين البحري المرتفعة والعمليات العسكرية المستمرة التي تفرضها ظروف النزاع الراهن.
إن استقرار أمن الطاقة العالمي يتطلب صياغة ميثاق دولي جديد يسد الثغرات القانونية القائمة، ويضمن حماية المنشآت والممرات المائية بعيداً عن سياسة الكيل بمكيالين. يجب أن يكون هناك توجه نحو تنويع مصادر الطاقة وتطوير شبكات الربط الكهربائي ليس كبديل فحسب، بل كجزء من رؤية تكاملية تخفف من حدة التوتر في نقاط الاختناق الجغرافي. إن العدالة في توزيع الحقوق والواجبات بين الدول المشاطئة للممرات والدول المنتجة والمستهلكة هي الضمانة الوحيدة لمنع تحول الطاقة إلى وقود للحروب المفتوحة.
في الختام، إن الرؤية الاستراتيجية لأمن الطاقة في الخليج لعام 2026 هي شهادة على الحاجة إلى التكيف مع واقع جيوسياسي يرفض التبعية ويسعى لترسيخ السيادة. وهي في جوهرها دعوة لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة القوية التي تحمي مقدراتها ضمن بيئة إقليمية تحكمها موازين القوى والردع المتبادل. إن تجاوز الأزمة الراهنة يتطلب حواراً دولياً صادقاً يعيد للقانون الدولي هيبته وعدالته، ويضمن حق جميع الدول في استثمار مواردها وتأمين مسارات تصديرها بعيداً عن منطق الحصار أو الاستهداف، بما يخدم استقرار المجتمع الدولي ويحفظ سيادة الدول وكرامة شعوبها في ظل نظام عالمي يتسم بالتعددية والإنصاف.


