الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

تحولات النظام الدولي تدفع أوروبا إلى مراجعة استراتيجيتها

جريدة الحرة

 خاص ـ  تعد الحرب مع إيران مؤشرا آخر على التغيرات الجذرية في النظام الدولي. ويرى رئيس المفوضية ضرورة ملحة للتحرك، ويحذر من الوقوع في مغالطة. ففي ضوء الوضع الدولي الراهن، تدعو رئيسة المفوضية الأوروبية، فون دير لاين ، إلى تغيير جذري في مسار السياسة الخارجية الأوروبية.

وقالت خلال اجتماع لسفراء الاتحاد الأوروبي في بروكسل: “لم يعد بإمكان أوروبا أن تكون حامية للنظام العالمي القديم، فهو من الماضي ولن يعود”. وأضافت: “مع أن النظام القائم على القواعد سيظل يدافع عنه ويصان، إلا أنه لم يعد بالإمكان الاعتماد عليه كوسيلة وحيدة لحماية المصالح”.

النظام الدولي يشهد تحولات عميقة

ترى فون دير لاين أن البيئة الدولية الحالية تشهد تحولات عميقة تتسم بتزايد المنافسة بين القوى الكبرى، وتراجع فعالية المؤسسات متعددة الأطراف، وازدياد النزاعات الإقليمية التي قد تتطور بسرعة إلى أزمات دولية أوسع نطاقا. وفي هذا السياق، تؤكد أن أوروبا مطالبة بتكييف سياساتها الخارجية والأمنية بما يتناسب مع واقع عالمي أكثر اضطرابا وتعقيدا.

كما شددت على أن الحفاظ على النظام الدولي القائم على القواعد يظل هدفا أساسيا، غير أن هذا الهدف يتطلب أدوات جديدة وقدرة أكبر على التحرك الاستراتيجي المستقل. دعت فون دير لاين إلى سياسة خارجية أكثر تركيزا على المصالح.

وأوضحت قائلة: “يجب أن نكون مستعدين لاستخدام قوتنا بثقة أكبر، على سبيل المثال، لمكافحة العدوان والتدخل الأجنبي بكل أدواتنا، سواء كانت اقتصادية أو دبلوماسية أو تكنولوجية أو عسكرية”. وأضافت أن ذلك قد يعني أيضا تبني نهج أكثر واقعية في التعاملات التجارية. ينبغي أن يكون الهدف هو جعل الاتحاد الأوروبي “أكثر مرونة وسيادة وكفاءة – من الدفاع إلى الطاقة، ومن المواد الخام الحيوية إلى التقنيات الاستراتيجية”.

تعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الأزمات الدولية

ترى رئيسة المفوضية أن أوروبا بحاجة إلى تعزيز قدرتها على الصمود في مواجهة الأزمات الدولية، خصوصا في القطاعات الحيوية التي تمثل أساس الأمن الاقتصادي والتكنولوجي للقارة. ولهذا، شددت على أهمية تنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد على مورد واحد في مجالات الطاقة والمواد الخام الاستراتيجية.

وأوضحت أن التجارب الأخيرة، سواء خلال جائحة كورونا أو في ظل التوترات الجيوسياسية المتزايدة، أظهرت مدى هشاشة سلاسل التوريد العالمية عندما تعتمد الدول على عدد محدود من الموردين. وفي هذا الإطار، أشارت إلى ضرورة تطوير قدرات أوروبية مستقلة في مجالات مثل إنتاج أشباه الموصلات والتقنيات الرقمية المتقدمة، إضافة إلى تعزيز الاستثمار في البحث العلمي والابتكار الصناعي.

كما شددت على أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يعمل على بناء شراكات اقتصادية جديدة مع دول متعددة حول العالم، بما يضمن استقرار سلاسل الإمداد وتوفير الموارد الأساسية للصناعات الأوروبية.

التشكيك في عمليات صنع القرار

أوضحت فون دير لاين، من وجهة نظرها، أن عمليات صنع القرار في الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى إصلاح. وقالت إنه من الضروري بشكل عاجل النظر فيما إذا كان “النظام، بكل محاولاته الحسنة النية لتحقيق التوافق والتسوية”، يمثل عونا أم عائقا أمام مصداقية الاتحاد الأوروبي كفاعل جيوسياسي.

وأشارت إلى أن بعض آليات اتخاذ القرار الحالية قد تؤدي في أحيان كثيرة إلى بطء الاستجابة الأوروبية للأزمات الدولية، وهو ما يحد من قدرة الاتحاد على لعب دور فعال في الساحة العالمية.

يزداد النقاش داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي حول كيفية تحقيق توازن بين مبدأ التوافق بين الدول الأعضاء وضرورة اتخاذ قرارات سريعة في القضايا الأمنية والاستراتيجية. ويرى بعض المسؤولين الأوروبيين أن التحديات الجيوسياسية الجديدة قد تتطلب إصلاحات مؤسسية تسمح للاتحاد بالتحرك بشكل أكثر مرونة وفعالية عند مواجهة الأزمات الدولية.

فيما يتعلق بالنقاش الدائر حول شرعية الحرب على إيران، التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة قالت فون دير لاين إن هناك آراء متباينة حول ما إذا كانت الحرب اختيارية أم ضرورية. ومع ذلك، فقد رأت أن هذا النقاش يغفل جانبا مهما.

وأضافت: “لأن على أوروبا أن تواجه الواقع وأن ترى العالم على حقيقته اليوم”. إن فكرة الانسحاب ببساطة وتجاهل هذا العالم المضطرب ليست سوى وهم. وترى فون دير لاين أن التحدي الحقيقي أمام أوروبا لا يكمن فقط في تقييم شرعية النزاعات الدولية أو اتخاذ مواقف سياسية منها، بل في القدرة على التعامل مع تداعياتها المباشرة وغير المباشرة.

فالحروب الإقليمية غالبا ما تكون لها آثار تتجاوز حدود المنطقة المعنية، سواء في شكل اضطرابات اقتصادية أو أزمات إنسانية أو موجات هجرة جديدة.

الهجوم على إيران يشكل انتهاكا للقانون الدولي 

أجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتصالا هاتفيا بنظيره الإيراني مسعود بيزشكيان، حثه فيه على وقف فوري للضربات الإقليمية وحرية الملاحة في مضيق هرمز. كما أعرب عن قلقه إزاء البرنامج النووي الإيراني. ويعد مضيق هرمز من أهم الممرات البحرية في العالم لنقل النفط والغاز، ولذلك فإن أي توتر عسكري في هذه المنطقة قد ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية.

كما أعلنت الحكومة السويسرية أن الهجوم على إيران يشكل انتهاكا للقانون الدولي. وقال وزير الدفاع مارتن فايسترإن الحكومة السويسرية تعتقد أن الهجوم على إيران يشكل انتهاكا للقانون الدولي. تابع فايستر إن الولايات المتحدة وإسرائيل وكذلك إيران بسبب هجماتها المضادة انتهكت حظر القانون الدولي لاستخدام القوة.

تعكس هذه التصريحات حجم الانقسام الدولي بشأن تفسير شرعية استخدام القوة في النزاعات المعاصرة، إذ تختلف مواقف الدول بشأن ما إذا كانت بعض العمليات العسكرية يمكن تبريرها باعتبارها دفاعا عن النفس أو إجراء وقائيا.

ومع ذلك، فإن العديد من الحكومات الأوروبية تؤكد أهمية احترام قواعد القانون الدولي وتجنب أي تصعيد قد يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع في المنطقة. ويرى مراقبون أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط قد يفرض على أوروبا تحديات إضافية في مجالات الأمن والطاقة والهجرة.

تسعى العواصم الأوروبية إلى الحفاظ على قنوات الاتصال الدبلوماسية مع جميع الأطراف المعنية، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع تحوله إلى حرب إقليمية أوسع. كما تؤكد العديد من الدول الأوروبية ضرورة تعزيز الجهود الدولية الرامية إلى خفض التوتر وإعادة إطلاق المسارات الدبلوماسية لحل النزاعات.

وفي ظل هذه التطورات، يزداد إدراك القادة الأوروبيين أن القارة تواجه مرحلة جديدة من التحولات الجيوسياسية التي قد تعيد تشكيل ملامح النظام الدولي في السنوات المقبلة. ولذلك، تسعى مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى تطوير استراتيجيات طويلة الأمد تعزز استقلالية القرار الأوروبي وتزيد من قدرة القارة على حماية مصالحها في عالم يتسم بتزايد المنافسة وعدم اليقين.

https://hura7.com/?p=75856

الأكثر قراءة