جريدة الحرة بيروت

بقلم : حازم سعيد
تكتسب خبرة مصر أهمية خاصة عند مقارنة المسارات الأوروبية في التعامل مع تنظيم الإخوان المسلمين. فقد تبنت القاهرة منذ سنوات مقاربة أكثر شمولًا تجاه التنظيم، تقوم على اعتبار جماعة الإخوان المسلمين تنظيمًا إرهابيًا، وملاحقة بنيته التنظيمية ومصادر تمويله وشبكاته المرتبطة بها، إلى جانب التشريعات القانونية والتدابير الأمنية التي تستهدف أنشطتها. ويمنح ذلك القاهرة خبرة ممتدة في التعامل مع التنظيم باعتباره شبكة تتجاوز الإطار السياسي التقليدي، وتمتد إلى مجالات التمويل والعمل الخيري والإعلامي والتنظيمي.
فعلى سبيل المثال وليس الحصر تتجه المقاربة الغربية تجاه جماعة الإخوان المسلمين نحو تحول لافت؛ فبعد سنوات من التركيز على سؤال حظر الجماعة من عدمه، باتت حكومات أوروبية وغربية تتعامل مع القضية باعتبارها مسألة تتصل بالأمن الداخلي، وسيادة القانون، والقدرة على ضبط شبكات النفوذ والتمويل. وهذا هو الاستنتاج الأبرز الذي تطرحه دراسة حديثة صادرة عن مؤسسة “هنري جاكسون” البريطانية، بعد مراجعة سياسات أكثر من 10 دول غربية وعربية تجاه الجماعة.
تشير دراسة “كيف فعل حلفاؤنا ذلك: دراسات حالة حول حظر الإخوان المسلمين” إلى أن الاتجاه الأكثر حضورًا لم يعد بالضرورة نحو إصدار قرار سياسي شامل بحظر التنظيم، وإنما نحو تفكيك البنى التنظيمية والمالية والإدارية التي تتيح له توسيع نفوذه. وهذه المقاربة تبدو أكثر تعقيدًا، لكنها في الوقت نفسه تمنح الحكومات مساحة قانونية أكبر للتعامل مع كل مؤسسة أو جمعية أو شبكة على أساس الأدلة والأنشطة الفعلية.
تبرز فرنسا باعتبارها أحد أكثر النماذج الأوروبية وضوحًا في هذا المسار. فبدلًا من اللجوء إلى حظر سياسي مباشر، اعتمدت باريس مجموعة من الأدوات القانونية والإدارية، شملت تشديد الرقابة على الجمعيات، ومراجعة مصادر التمويل الأجنبي، وإغلاق بعض المؤسسات التعليمية، واستخدام القانون الإداري في مواجهة هياكل ترى السلطات أنها تتعارض مع المبادئ الجمهورية.
لا تبدو هذه السياسة فرنسية خالصة. فقد بدأت دول مثل ألمانيا والنمسا وهولندا وبلجيكا والسويد بإعادة النظر في كيفية التعامل مع التنظيمات المرتبطة بالإسلام السياسي، وإن اختلفت الأدوات من دولة إلى أخرى وفقًا للأنظمة القانونية والدستورية الوطنية. ويعكس ذلك انتقالًا تدريجيًا من مراقبة الظاهرة إلى إدارة مخاطرها من خلال أدوات مالية وإدارية وتعليمية وأمنية متكاملة.
في المقابل، اختارت الولايات المتحدة مسارًا أكثر استهدافًا، يقوم على تصنيف فروع وطنية محددة من جماعة الإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية عندما تتوافر الأسس القانونية لذلك، بدلًا من التعامل مع التنظيم الدولي ككتلة واحدة. وتبدو هذه المقاربة، بحسب الدراسة، أكثر انسجامًا مع طبيعة الأنظمة الديمقراطية التي تربط الإجراءات العقابية بالأدلة والمسؤولية القانونية المحددة.
تكتسب هذه التحولات أهمية أكبر لأنها تكرس مبدأً أساسيًا: الفصل بين الإسلام باعتباره دينًا يعتنقه ملايين المواطنين الأوروبيين، وبين التنظيمات السياسية التي قد تستخدم الهياكل المدنية أو الخيرية أو التعليمية لتعزيز نفوذ أيديولوجي أو سياسي.
ومع ذلك، لا تدعو الدراسة إلى حظر الإخوان المسلمين بصورة شاملة في بريطانيا أو أوروبا، بل تحث الحكومات على الاستفادة من التجارب المقارنة، وتشديد الرقابة على التمويل، وإعادة تقييم الأطر القانونية للجمعيات، وتعزيز التعاون بين الأجهزة الأمنية والسلطات المالية، مع الحفاظ على الحريات العامة والضمانات الدستورية.
ربما تكمن أهمية هذا التحول في أنه لا يعتمد على القرارات السياسية الصاخبة، بل على بناء منظومة قانونية تدريجية تستهدف الشبكات والأنشطة بناءً على الأدلة والإجراءات. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تصبح المواجهة الغربية مع الإسلام السياسي أقل ارتباطًا بفكرة “الحظر الشامل”، وأكثر اعتمادًا على تفكيك مصادر النفوذ والتأثير ضمن إطار سيادة القانون.
يلتقي المسار المصري والفرنسي في إدراك متزايد بأن مواجهة التنظيمات ذات الشبكات العابرة للحدود لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، وإنما تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد تشمل التمويل، والعمل المؤسسي، والتعليم، والإعلام، والتعاون الدولي. ومن هنا، يمكن أن تلعب مصر دورًا أكبر في النقاش الأوروبي حول مستقبل التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين.


