جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
يسعى الاتحاد الأوروبي إلى توسيع أدواته في مكافحة تهريب المهاجرين، عبر تبني إطار عقوبات يستهدف الشبكات الإجرامية من خلال تجميد الأصول وحظر السفر، بدلًا من الاكتفاء بتشديد الرقابة على الحدود. ويعكس هذا التوجه تحولًا في سياسة الهجرة الأوروبية نحو ملاحقة مصادر التمويل والبنية التنظيمية للمهربين، مع إثارة تساؤلات حول فعالية هذه الإجراءات وتداعياتها القانونية والإنسانية.
تحولً في نهج الاتحاد الأوروبي لإنفاذ سياسات الهجرة
سيُنقِل إطار العقوبات المقترح من بروكسل تطبيق سياسات الهجرة إلى ما هو أبعد من مراقبة الحدود وعمليات الإعادة، عبر استهداف شبكات تهريب المهاجرين من خلال تجميد الأصول، وفرض حظر السفر، وتعطيل تدفقاتها المالية.
سيُمثِّل إطار العقوبات الذي اقترحته المفوضية الأوروبية ضد تهريب المهاجرين، والاتجار بالبشر، والجريمة المنظمة، تحولًا كبيرًا في نهج الاتحاد الأوروبي لإنفاذ سياسات الهجرة. فبدلًا من التركيز فقط على مراقبة الحدود، وعمليات الإعادة، وإجراءات اللجوء، تريد بروكسل استهداف الأموال، وحرية التنقل، والبنية التحتية التي تعتمد عليها الشبكات الإجرامية.
سيُتيح المقترح للاتحاد الأوروبي فرض تجميدٍ للأصول، وحظرٍ على السفر بحق الأفراد والكيانات المتورطة في تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر. وسيظل اعتماد الإطار مشروطًا بالحصول على موافقةٍ بالإجماع من الدول الأعضاء داخل مجلس الاتحاد الأوروبي، لكن الاتجاه أصبح واضحًا: إذ تتجه سياسة الهجرة إلى التوسع بصورةٍ أكبر في أدوات الإنفاذ المالي.
من الحدود إلى تدفقات الأموال
يستخدم الاتحاد الأوروبي بالفعل التدابير التقييدية بوصفها جزءًا من أدواته في السياسة الخارجية. ويوضح مجلس الاتحاد الأوروبي أن العقوبات الأوروبية صُمِّمت لتغيير السلوك من خلال تدابير مستهدفة، مثل حظر السفر، وتجميد الأصول، وفرض قيودٍ على الموارد الاقتصادية. ومن شأن تطبيق المنطق نفسه على شبكات تهريب المهاجرين أن يوسِّع نطاق استخدام العقوبات إلى ما يتجاوز الدول، وأصحاب الثروات الضخمة، والجماعات الإرهابية، والأهداف المرتبطة بالحروب.
تعمل شبكات تهريب المهاجرين عبر الحدود، مستخدمةً طرق النقل، والوثائق المزورة، وشبكات التمويل غير الرسمية، والوسطاء الفاسدين، ووسائل التواصل الاجتماعي لتجنيد الأشخاص. ونادرًا ما تنجح عمليات مراقبة الحدود وحدها في تفكيك هذه الشبكات. فكثيرًا ما تستهدف الاعتقالات التي تُجرى في البحر أو على اليابسة العناصرَ ذات المستوى الأدنى، بينما يبقى المنظمون بعيدين عن متناول سلطات إنفاذ القانون التابعة للاتحاد الأوروبي.
يهدف تجميد الأصول إلى استهداف مستوياتٍ أعلى. فإذا أمكن تحديد قادة الشبكات، أو الوسطاء، أو الشركات المرتبطة بها، وإدراجهم ضمن قوائم العقوبات، فسيُمكن حرمانهم من الوصول إلى الأموال، أو الممتلكات، أو الخدمات، أو حرية السفر داخل الاتحاد الأوروبي.
يتمثل الهدف في جعل تهريب المهاجرين أقل ربحيةً وأكثر صعوبةً من حيث التنظيم. يعكس هذا النهج اتجاهًا أوسع في الأمن الداخلي للاتحاد الأوروبي. فالجريمة المنظمة تُعامل بصورةٍ متزايدة على أنها منظومةٌ مالية، وليست مجرد مشكلةٍ شرطية. وتتجسد الفكرة في تتبع الأموال، وتجميد الأصول، وفرض قيودٍ على السفر، وتعطيل نموذج الأعمال الذي تعتمد عليه هذه الشبكات.
سياسة الهجرة والمخاطر القانونية
يأتي هذا المقترح في بيئةٍ سياسية معقدة. إذ تتعرض حكومات الاتحاد الأوروبي لضغوطٍ من أجل خفض أعداد الوافدين بطرقٍ غير نظامية، وزيادة عمليات الإعادة، وتفكيك مسارات التهريب. وفي الوقت نفسه، تحذر منظمات حقوق الإنسان من أن تشديد إجراءات الإنفاذ قد يدفع المهاجرين إلى سلوك طرقٍ أكثر خطورة، أو يزيد اعتمادهم على شركاء خارج الاتحاد الأوروبي تُوجَّه إليهم اتهاماتٌ بارتكاب انتهاكات.
وكانت قد تناولت تقارير استمرار نشاط تهريب المهاجرين عبر القنال الإنجليزي، بما في ذلك الهجرة غير النظامية عبر القناة، والطريقة التي تعيد بها شبكات التهريب توجيه عملياتها نحو بلجيكا.
يشكل مقترح العقوبات أداةً مختلفة، لكنه يستجيب للواقع نفسه، وهو أن مسارات التهريب تتكيف بسرعةٍ كلما تغيرت أساليب الإنفاذ. وهذه القدرة على التكيف هي السبب في أن العقوبات قد تكون مفيدة، لكنها ليست كافية. إذ تستطيع الشبكات تغيير أسمائها، واستخدام وسطاء، ونقل الأموال عبر قنواتٍ غير رسمية، ونقل عملياتها إلى خارج الولايات القضائية للاتحاد الأوروبي.
اختبار الإجماع
سيكون اشتراط موافقة مجلس الاتحاد الأوروبي بالإجماع أول اختبارٍ حقيقي للمقترح. فقد تؤيد بعض الدول الأعضاء أداةً ماليةً أكثر صرامة، بينما قد تُبدي دولٌ أخرى مخاوف بشأن معايير الإثبات، أو الطعون القانونية، أو التداخل مع القوانين الجنائية الوطنية القائمة. ويجب أن تستند قرارات الإدراج على قوائم العقوبات إلى أسسٍ قانونية متينة. فإذا فُرضت عقوبات على أشخاصٍ أو كيانات استنادًا إلى أدلةٍ ضعيفة، فإن الاتحاد الأوروبي سيواجه مخاطر الطعون أمام المحاكم، فضلًا عن الإضرار بسمعته. وهذا يعني أن بروكسل ستحتاج إلى معلوماتٍ استخباراتية قوية، وتعاونٍ وثيق بين أجهزة إنفاذ القانون، ومعايير واضحة. ويثير المقترح كذلك تساؤلاتٍ تشغيلية. فمن سيحدد الجهات المستهدفة؟ وكيف ستُستخدم المعلومات الواردة من اليوروبول، وفرونتكس، والشرطة الوطنية، والدول الثالثة؟ وكيف سيميز الاتحاد الأوروبي بين المهربين، والمتاجرين بالبشر، وميسري عمليات النقل، والجهات الإنسانية؟
أداةٌ مفيدة لكنها محدودة
قد تُسهم العقوبات في تعطيل عمل الشبكات، لكنها لن تقضي على الطلب الذي يستغله المهربون. فالناس يواصلون الهجرة بسبب الحروب، والاضطهاد، والفقر، والضغوط المناخية، وغياب المسارات القانونية. وإذا ركز الاتحاد الأوروبي فقط على العقاب، من دون توفير مساراتٍ آمنة وإجراءات لجوءٍ موثوقة، فإن أسواق التهريب ستواصل التكيف.
ومع ذلك، فإن المقترح يكتسب أهميةً لأنه يعترف بأن تهريب المهاجرين يمثل مشكلةً ماليةً وجريمةً منظمة، إلى جانب كونه مشكلةً تتعلق بالحدود. وإذا استُهدفت الأصول على نحوٍ صحيح، فقد يجعل تجميدها من الصعب على منظمي هذه الشبكات تحقيق أرباحٍ من الرحلات الخطرة. وتكمن المخاطرة في أن تتحول العقوبات إلى مجرد أداةٍ تُستخدم في العناوين الرئيسة، من دون توافر قدراتٍ تحقيقية كافية تدعمها.
أما الفرصة، فتتمثل في أن يبدأ الاتحاد الأوروبي في التعامل مع شبكات تهريب المهاجرين بالجدية نفسها التي يطبقها على التهرب من العقوبات والجريمة المنظمة العابرة للحدود. وسيُظهر النقاش داخل مجلس الاتحاد الأوروبي الصيغة النهائية التي سيخرج بها هذا المقترح.
ر


