جريدة الحرة بيروت
بقلم : د .عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث
ليس تاريخ السُنّة في لبنان الكبير منذ البداية تاريخ طائفة داخل كيان سياسي ثابت؛ بل هو جزء من تاريخ تكون لبنان نفسه، ومن الصراع على هويته ونظامه وعلاقته بمحيطه. فقد ضم لبنان الكبير إلى متصرفية جبل لبنان، كل من بيروت وطرابلس وصيدا والبقاع وعكار والجنوب وغيرها من المناطق التي كانت مرتبطةً بأطر إدارية واقتصادية واجتماعية مختلفة. ولذلك لم تدخل الجماعات اللبنانية الدولة الجديدة بتجربة تاريخية واحدة ولا بتصور سياسي واحد للمستقبل.
وهنا يجب التمييز بين مسلمي جبل لبنان ودروزه، الذين شاركوا في الوفد الأول إلى باريس برئاسة داود عمّون للمطالبة بتوسيع الجبل، ومنهم عبد الحليم الحجّار (سنّي من الإقليم) ونجيب عبد الملك (درزي)، وبين سنّة المدن الساحلية (بيروت وطرابلس وصيدا)، الذين غابوا عن الوفد لأنهم لم يكونوا قد ضُمّوا بعد إلى لبنان الكبير، وكانوا يميلون إلى الوحدة مع سورية. وفي الوفد الثالث شارك الأمير توفيق أرسلان، فيما اعتذر كامل الأسعد عن تمثيل جبل عامل، مفوّضًا المطران عبد الله خوري بموافقته على ضمّ الشيعة إلى لبنان الكبير، وهي موافقة يفسّرها جزئيًا تهميش الشيعة في العهد العثماني.
وتبرز التجربة السُنّية بصورة خاصة لسُنّة الساحل، ولا سيما في بيروت وطرابلس وصيدا، انتقالهم خلال فترة قصيرة من فضاء عثماني إلى فضاء عربي–سوري، ثم وجدوا أنفسهم في العام 1920 داخل دولة لبنانية جديدة لم يُسألوا عن إنشائها. ومع ذلك، أصبحوا لاحقًا أحد ركني تسوية الاستقلال العام 1943، ثم تفاعلوا مع القومية العربية والناصرية والقضية الفلسطينية، وتأثر موقعهم بحرب لبنان وخروج منظمة التحرير الفلسطينية منه، ثم أعاد اتفاق الطائف تحديد موقعهم الدستوري، قبل أن تحدثْ الحريرية السياسية بين العامين 1990 و2005 صعودًا سُنّيا جديدًا ارتبط بإعادة بناء الدولة والاقتصاد وتعزيز التعليم والانفتاح على دول الخليج العربية.
أولًا: المسلمون عشية لبنان الكبير ــ من الهوية العثمانية إلى الإطار العربي
عاش المسلمون العرب قرونًا داخل الدولة العثمانية، وكانوا يُعدّون أنفسهم الأمة المميزة، لا أقليةً دينيةً. ونظر كثيرون منهم إلى استمرار السلطنة باعتباره مظلةً حماية لهم وللإسلام في مواجهة التوسع الاستعماري الأوروبي.
بدأ هذا الوضع بالتغير بصورة متسارعة مع سياسات المركزية والتتريك في عهد الاتحاد والترقي، حين بدأ المسلمون العرب يُعيدون تحديد موقعهم داخل الدولة نفسها. وكان “المؤتمر العربي الأول” في باريس العام 1913 محطةً أساسيةً في هذا التحول، إذ التقى فيه مسلمون ومسيحيون عرب ومن لبنان على العروبة واللامركزية. لكن الاتفاق على العروبة لم يكن يعني الاتفاق على مضمونها السياسي. فقد فهم عدد كبير من المسلمين اللبنانيين اللامركزية بوصفها إطارًا لإصلاح السلطنة مع البقاء ضمن الرابطة العثمانية، في حين رأت اتجاهات مسيحية، وخصوصًا مارونية، أن توسيع الحكم الذاتي يمكن أن يفتح الطريق إلى استقلال أوسع.
وهنا تبرز مسألة أساسية في تفسير بطء الاندماج السُنّي اللبناني في لبنان الكبير. فخلال نحو أحد عشر عامًا فقط، بين سقوط السلطان عبد الحميد الثاني العام 1909 وإعلان لبنان الكبير العام 1920، مرَّ المسلمون بثلاثة أطر هوياتية سياسية متلاحقة: عثماني–إسلامي بالكامل، ثم عربي–سوري، ثم لبناني. وبذلك، لم يكن ممكنًا أن تختفي خلال سنوات قليلة ذاكرة سياسية امتدت قرونًا. فدخولهم تحت الانتداب الفرنسيّ يعني فقدانًا لنفوذهم الذي مارسوه في ظل الحكم العثماني وإضعافًا لسلطتهم.
في المقابل، كان المسار الماروني مختلفًا. فمنذ إنشاء متصرفية جبل لبنان العام 1861 عاش سكان الجبل، موارنةً (58%)، ومسلمين بغالبية درزية (12%، وشيعية 4% وسُنّية 3%) تجربة حكم ذاتي واسع نسبيا، ورسخت لدى التيار الماروني الأكثري فكرة الخصوصية السياسية. وأسهمت العلاقات مع فرنسا والبابوية والمدارس والإرساليات والحماية الأوروبية في تعزيز هذا الاتجاه.
ولا يجوز اختزال المشهد في مواجهة ثابتة بين المسلمين والمسيحيين عند إنشاء الكيان. فقد كان عدد من الأرثوذكس العرب أقرب إلى الفضاء السوري والعربي. وبالنسبة إلى الشيعة، اعترف الانتداب الفرنسي بالمذهب الجعفري ومحاكمه، وثبت للدروز تمثيلًا سياسيا وإداريا داخل الدولة. لكن المسارين السُنّي والماروني كان الأكثر تأثيرًا في الخلاف على الكيان الجديد: تيار ماروني راكم عقودًا من الحكم الذاتي والتطلعات الاستقلالية، وقطاعات سُنّية خرجت لتوها من دولة كانت جزءًا من جماعتها الحاكمة، ثم عايشت من تجربة الحكم العربي في دمشق. وهكذا انتقل السُنّة من موقع أكثرية ضمن المجالين العثماني والسوري إلى طائفة أقلية من ضمن طوائف الدولة اللبنانية الجديدة.
ثانيًا: السُنّة من الاعتراض على الكيان إلى المطالبة بالمشاركة فيه، 1920–1943
منذ إعلان لبنان الكبير ظهرت مفارقة واضحة لدى الموارنة، حين وجدوا أنهم لا يستطيعوا بناء دولة مستقرة من دون مشاركة المسلمين، بينما تحفظ السُنّة على الكيان أو رفضه قسم واسع منهم. لكنهم اكتشفوا تدريجيا أن تعديله والمشاركة في مؤسساته أصبحا أكثر واقعيةً من إلغائه.
لم يكن الموقف السنّي بين 1920 و1943 انتقالًا مباشرًا من الرفض إلى القبول، بل مزيجًا من الاعتراض والتكيّف والمشاركة. وظهر ذلك حتى في الهوية القانونية: فعشيّة إحصاء 1922، قبل بعض المسلمين التسجيل في تذكرة النفوس بعد إزالة ما يدلّ على التابعية اللبنانية، ومنهم أحمد الداعوق، رئيس الحكومة لاحقًا (1941–1942)، في تعبير عن قبول الإدارة القائمة دون التسليم بالانتماء السياسي الجديد. واقتصاديًا، ارتبطت بيروت بالجبل، فيما بقيت طرابلس وصيدا مشدودتين إلى الداخل السوري، ما عمّق شعورهما بتراجع دورهما. وثقافيًا، حمل المسيحيون تفوّقهم التعليمي من العهد العثماني إلى الدولة الوليدة.في الوقت نفسه، دخل مسلمون بحذر إلى الإدارة والمجالس التمثيلية والنيابية. وهنا بدأ سؤالهم يتغير، من: “هل نقبل لبنان الكبير؟” إلى:” ما موقعُنا فيه”؟ وهذه نقلة سياسية أساسية؛ لأن المطالبة بالتمثيل والوظائف والحقوق داخل الدولة الجديدة تعني عمليا انتقال النزاع من وجود الدولة إلى التوازن داخلها.
يكشف مشروع المفوّض السامي موريس سرّاي عام 1925 أنّ الطائفية السياسية لم تكن قدرًا محتومًا، إذ سعى إلى انتخابات لا تُخصَّص فيها المقاعد للطوائف، فأجهضته البطريركية والزعامات المارونية خشية إضعاف الوزن المسيحي في الدولة الموسّعة. ثم كرّس دستور 1926 التمثيل الطائفي بوصفه إجراءً موقتًا يحمي موازين القوى بين الطوائف. وقد شارك في وضعه عمر الداعوق من بيروت وعبّود عبد الرزاق من عكّار، فيما قاطعه سنّة الساحل. وعند مناقشته في المجلس النيابي في 19 أيار 1926، تحفّظ عليه النوّاب السنّة ونائب بعلبك الشيعي صبحي حيدر، مطالبين بجعل الأراضي المضمومة من دون رضى أهلها دولةً مستقلّة متّحدة مع لبنان وسورية. وستتكرّر الدعوة الإسلامية إلى الفدرالية كلّما شعر المسلمون بأنّ الأمور لا تجري لمصلحتهم، قبل أن تتحوّل عشيّة حرب لبنان إلى مطلب ماروني.
تظهر أهمية التحول السُنّي بصورة أوضح في أزمة رئاسة الجمهورية العام 1932. فقد أصبح الشيخ محمد الجسر، الزعيم السُنّي الطرابلسي ورئيس مجلس النواب، مرشحًا للرئاسة، وحصل على دعم نواب مسلمين ومسيحيين. وتكمن أهمية الحدث في أن زعيمًا سُنّيا، بعد اثني عشر عامًا فقط من تحفظ طائفته على إنشاء الكيان، لم يعد يريد الخروج منه، بل أصبح يطالب بأعلى موقع في الدولة. وعندما علّق الانتداب الدستور، وحلّ مجلس النواب لمنع حصول الانتخابات استجابة لاعتراضات الكنيسة المارونية، ترك ذلك لدى قطاعات سُنّية انطباعًا بأن المشاركة الإسلامية في الجمهورية لها حدود حين تصل إلى رئاسة الدولة.
ثم جاء العام 1936 ليشهد تحولًا مهما آخر. ففي مؤتمر الساحل الثالث العام 1936 بقي تيار سُنّي كبير متمسكًا بالوحدة السورية؛ لكن شخصيات مثل كاظم الصلح وعادل عسيران طرحت اتجاهًا براغماتيا مختلفًا: القبول بلبنان الكبير، مع إعادة تعريفه وطنًا عربيا مشتركًا، وتحقيق عدالة أوسع في توزيع الوظائف وخدمات الدولة. وتزامن ذلك مع المعاهدة الفرنسية–السورية العام 1936، التي قبل فيها الوفد السوري، في إطار التسوية المقترحة، بوجود لبنان مستقلا. وصحيح أن المعاهدة لم تدخلْ حيز التنفيذ، لكنها أضعفت خيار الوحدة للمسلمين مع سورية.
ونلاحظ بعد عامين من ذلك، ظهور ما يمكن اعتباره مقدمةً مباشرةً للميثاق الوطني بين المسلمين والمسيحيين. فقد اجتمعت 27 شخصية مسيحية وإسلامية (6 من السُنّة وشيعي ودرزي) من مذاهب متعددة في منزل يوسف السودا، وجرى طرح لبنان مستقلا ضمن حدوده، مع توثيق العلاقات بالدول العربية كدولة مستقلة. هكذا، أخذ يتبلور اتجاه سُنّي يقبل بنهائية لبنان، مقابل عروبته والمشاركة الفعلية في الحكم، واتجاه مسيحي يدرك أن استقلال لبنان لا يمكن أن يستند دائمًا إلى فرنسا، بل يحتاج إلى قبول المسلمين بالدولة.
من هنا، نضجت تسوية الميثاق في العام 1943، من دون أن تكون حلا نهائيا لمشكلة الهوية، بل تسويةً سياسيةً بقبول السُنّة بلبنان دولةً مستقلةً ونهائيةً من الناحية العملية، من دون التخلي عن عروبتهم؛ بينما قبل المسيحيون، ولا سيما الموارنة، بأن استقلال لبنان لا يقوم على الحماية الأجنبية ولا على الانفصال عن العالم العربي. وهكذا، انتقل السؤال السُنّي التالي من وجود لبنان إلى المشاركة فيه.
ثالثًا: سُنّة لبنان من دولة الاستقلال إلى أزمة الميثاق، 1943–1975
قام النظام اللبناني بموجب الميثاق على شراكة طائفية وتنظيم عرفي للمواقع الأساسية في السلطة، سيعرف لاحقًا بـ “الديمقراطية التوافقية”. لكن اللافت، أن المسلمين ظلوا يطالبون، مع تغير الموازين الديموغرافية لمصلحتهم، بمشاركة أكبر في السلطة، في حين تمسكت قطاعات مارونية بما اعتبرتْه ثوابت الصيغة وضماناتها، حتى أن زعيم الكتائب بيار الجميل قال عشية حرب لبنان: “الميثاق سرمدي ولا يمكن تعديله”، أو الذهاب إلى العلمنة الشاملة، وذلك لتخويف المسلمين.
كان الخلاف على العروبة أكثر تعقيدًا من مجرد القبول بها أو رفضها. فالعروبة عند تيارات مسيحية عربية أمكن فهمها بوصفها انتماءً لغويا وثقافيا وتاريخيا يمتد إلى ما قبل الإسلام، بينما ربطتْها تيارات إسلامية بالإسلام، وبالتاريخ الإسلامي واللغة العربية، لغة القرآن. لذلك، أمكن للطرفين الاتفاق على العروبة، مع استمرار اختلافهما على معناها السياسي والثقافي.
كشفت أزمة العام 1958 بوضوح أن تسوية 1943 لم تنه هذه الإشكالية. فقد تأثرت قطاعات واسعة من السُنّة بالناصرية وقيام الجمهورية العربية المتحدة، بينما خافت قوى مارونية من أن يؤدي المدّ الوحدوي إلى إضعاف استقلال لبنان، أو امتصاصهم في هوية عربية-إسلامية. وتجدر الإشارة إلى أن الأزمة لم تكن طائفيةً خالصة؛ فتداخلت فيها سياسة الرئيس كميل شمعون، انتخابات العام 1957، مسألة تجديد ولايته، والأحلاف والحرب الباردة والتنافس الإقليمي.
وقد سعت الشهابية بعد العام 1958 إلى معالجة جانب مختلف من المشكلة، وبرؤية إنمائية. فقد أدرك الرئيس فؤاد شهاب، بناء على دراسة “إيرفد”، أن الاندماج في الدولة لا يتحقق الا بتخفيف التفاوت الكبير بين مناطق الأطراف من جهة، وبين محافظتي بيروت وجبل لبنان من جهة أخرى. من هنا، جاءت مشاريع التنمية والخدمات لتوسيع حضور الدولة في المناطق الأقل نموا. بالنسبة إلى السُنّة وسائر المسلمين، كان هذا مسارًا مهما؛ لأن الاندماج الوطني أصبح مرتبطًا بخدمات الدولة، لا بالميثاق بين الزعماء وحده.
في الوقت نفسه، أخذ موقع الشيعة يتغير مع الإمام موسى الصدر. فأبرز إنشاء “المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى” في العام 1969، مؤسسةً مستقلةً مثلت خصوصية مصالح الشيعة عن السُنّة، وتحولت قضية الحرمان في الجنوب والبقاع إلى مطلب سياسي داخل الدولة. وهكذا، بدأت ثنائية الموارنة والسُنّة التي قامت عليها تسوية 1943 تفقد قدرتها على تفسير النظام وحدها.
لكن العامل الفلسطيني كان يتقدم بسرعة. فمنذ تأسيس منظمة التحرير في العام 1964، ولا سيما بعد العام 1967، أصبحت المقاومة الفلسطينية عند قطاعات واسعة من الطوائف الإسلامية امتدادًا للالتزام العربي، وذلك بعد تراجع المشروع الناصري. وهنا عاد الخلاف من جديد على معنى عروبة لبنان. فرأى مؤيدو المقاومة من المسلمين واليسار أن دعمها لا يتعارض مع الانتماء اللبناني، بينما رأى خصومها أن العمل العسكري الفلسطيني المستقل يهدد سيادة الدولة.
وجاء “اتفاق القاهرة” في 3 تشرين الثاني 1969 ليخلق مفارقة سيادية صارخة: فبدل أن تعمل الدولة على إنهاء السلاح الفلسطيني غير الشرعي، قبلت رسميًا، وهي دولة مستقلّة ذات سيادة، أن تعمل على أرضها قوّة مسلّحة غير لبنانية تستخدم حدودها لمهاجمة دولة أخرى. ورغم تأكيده احترام سيادة لبنان، أتاح الاتفاق العمل المسلّح داخل المخيّمات وعبر الحدود مع إسرائيل. ومع انتقال عشرات الآلاف من المقاتلين الفلسطينيين من الأردن بعد أحداث 1970–1971، تعاظم هذا الوجود العسكري، وتصاعدت الردود الإسرائيلية على لبنان.
ثم دخل السلاح الفلسطيني مباشرة في الصراع الداخلي على إصلاح النظام: فرأت فيه قوى إسلامية ويسارية ورقة لتعديل موازين السلطة في مواجهة المارونية السياسية، فيما رآه قسم كبير من المسيحيين تهديدًا لسيادة الدولة على أرضها وحدودها. وغذّت الخطابات الطائفية المتبادلة الخوف والانقسام، ومن مظاهرها ترشّح عدنان الحكيم للرئاسة أكثر من مرّة [وإعلان رشيد كرامي ترشّحه سنة 1970]، فبدأت العسكرة.
بحلول العام 1975 كانت ثلاثة عناصر قد تعرضت للاهتزاز في وقت واحد: معنى عروبة لبنان، والتوازن المقبول في تقاسم السلطة، واحتكار الدولة للسلاح. ولذلك، لا يمكن تفسير حرب لبنان بسبب واحد: لا الشكوى الإسلامية وحدها، ولا العامل الفلسطيني وحده، ولا الطائفية وحدها. لقد تداخل إصلاح النظام أو الاجهاز عليه مع التفاوت الاجتماعي والمناطقي، والسلاح الفلسطيني، والصراع العربي–الإسرائيلي، والتدخلات الإقليمية والدولية.
رابعًا: السُنّة من حرب لبنان إلى اتفاق الطائف، 1975-1989
كانت حادثة عين الرمّانة في 13 نيسان 1975 الشرارة المباشرة لحرب لبنان، لكنّ أسبابها كانت قد تراكمت قبلها. فانقسمت البلاد تدريجيًا بين “الحركة الوطنية اللبنانية” والقوى الإسلامية المتحالفة مع منظّمة التحرير الفلسطينية من جهة، و”الجبهة اللبنانية” ذات الثقل الماروني من جهة أخرى. وساد في البيئة السنّية اعتقاد بأنّ الفدائيين قوّة توازن التنظيمات المسيحية المسلّحة، وتُعين على انتزاع ما أمكن من امتيازات الموارنة، حتى وصفتهم قيادات دينية سنّية بـ”جيش المسلمين”. وأعلنت قيادات معتدلة، ومنها صائب سلام، سقوطَ الميثاق الوطني. وكان البديل الإسلامي المطروح “ديمقراطية الأكثرية”، انطلاقًا من الغلبة الديموغرافية الإسلامية، وهو ما كان يعني ذوبان المسيحيين سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا في قيم المسلمين وثقافتهم.
وفي 1 حزيران 1976 دخل الجيش السوري لبنان على نطاق واسع، إثر تفاهم بين دمشق وتلّ أبيب، برعاية أميركية ووساطة الملك حسين، على تقاسم النفوذ فيه (“الخط الحمر”)، أُطلقت بموجبه يد دمشق في تحجيم المقاومة الفلسطينية. وتعدّدت أهداف دمشق: طموحها التاريخي إلى نفوذ مباشر في لبنان، ومنع انتصار فلسطيني–يساري على المسيحيين، كانت واشنطن وتلّ أبيب تخشيانه لأنه قد يستدعي تدخّلًا إسرائيليًا مباشرًا. وبعد قمّتَي الرياض (16–18 تشرين الأول 1976) والقاهرة (25–26 تشرين الأول 1976) تشكّلت “قوّات الردع العربية” لحفظ الأمن في لبنان، غير أنّ انسحاب الوحدات العربية منها جعلها سورية في جوهرها، حتى الانسحاب السوري في 26 نيسان 2005.
ثم غيّر الاجتياح الإسرائيلي صيف 1982، بحصار بيروت واقتحامها، ميزانَ القوى في البلاد. وكان لخروج منظّمة التحرير من بيروت (21 آب – 1 أيلول 1982) أثر خاص في السنّة، وهم أقلّ الطوائف امتلاكًا لتنظيم عسكري مستقلّ، بعدما ارتبط جزء من قوّتهم في السبعينيات بالتحالف مع الفلسطينيين. واتّسع الفراغ في بيئتهم بعد القضاء على “المرابطون” على يد حركة أمل والحزب التقدّمي الاشتراكي في نيسان 1985، بينما شهدت المناطق المسيحية صراعات ميليشياوية على النفوذ، آخرها “حرب الإلغاء” التي شنّها العماد ميشال عون على القوات اللبنانية. وفي الوقت ذاته انتقل مركز الثقل الإسلامي إلى القوى الشيعية: حركة أمل أولًا، ثم حزب الله، الذي نشأ في سياق الدعم الإيراني لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب.
في هذه الظروف، برز مسار سُنّي لافت مختلف مثله المفتي حسن خالد. فقد أكدت “الثوابت الإسلامية العشرة” العام 1983 نهائية لبنان لجميع أبنائه، وربطت المشاركة الإسلامية بالدولة والقانون. ثم اكتسب التقارب بين المفتي خالد والبطريرك نصر الله صفير منتصف الثمانينيات دلالةً سياسيةً مهمة؛ لأنه أعاد الحوار السُنّي–الماروني إلى مستوى المرجعيات الدينية، في وقت كانت فيه بيروت والمجتمع منقسمين عسكريا. وجاء اغتيال المفتي حسن خالد العام 1989 ليضرب هذا المسار.
انتهت الحرب مبدئيا باتفاق الطائف العام 1989، الذي عزز موقع مجلس الوزراء ورئيس الحكومة السُنّي ضمن السلطة التنفيذية. كذلك تعزز موقع رئيس مجلس النواب. وقد كرس اتفاق الطائف المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب ووظائف الفئة الأولى، واستقر العرف السياسي بعده على مراعاتها كذلك في تشكيل الحكومات. ولم تكن هذه المناصفة مجرد توزيع عددي للسلطة، بل تعبيرًا عن مبدأ أعمق: أن المسلمين ينظرون إلى المسيحيين كموّن رئيسي سياسي وحضاري في تاريخ لبنان وليس أقلية عددية، وأن لبنان لا يحكم بمنطق الغلبة الديموغرافية، بل بمنطق الشراكة والعيش المشترك.
ويذكّر ذلك بميثاق 1943 وما كرّسه من ضمانات إسلامية للمسيحيين أبرزها بقاء رئاسة الجمهورية للموارنة، ثم بالطائف الذي جدّد المبدأ نفسه عبر المناصفة: الشراكة بدل الغلبة، والتوازن بدل حكم العدد. وعليه أصرّ رفيق الحريري في بلدية بيروت عام 1998 على المناصفة (12/12) رغم الأكثرية الإسلامية. أمّا انتخابات 18 أيار 2025، فسبقتها دعوات إلى منح المسلمين الأغلبية وخلاف حول تقنين المناصفة، وأفضت إلى مجلس من 13 مسلماً و11 مسيحياً. وفي طرابلس، أسفرت انتخابات 11 أيار 2025 عن مجلس من 24 مسلماً بلا أيّ تمثيل مسيحي، خلافاً لعرفٍ سابق كان يراعيه.
غير أنّ تنفيذ اتفاق الطائف بقي ناقصًا عن عمد: فلم تُطبَّق اللامركزية الإدارية الموسّعة، ولم تحتكر الدولة السلاح، إذ احتفظ حزب الله بسلاحه بقرار سوري تحت عنوان مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وبقي السلاح الفلسطيني الموالي لسورية في عدد من المخيّمات. كذلك عُطّل عمداً بند الإلغاء المرحلي للطائفية السياسية، في مرحلة كانت فيها سورية تمسك بمفاصل النظام وتدير توازناته الطائفية. وفي تقديرنا، كان انتقال اللبنانيين بالتوافق إلى نظام أقلّ طائفية سيُضعف الحاجة إلى “السمسار الخارجي” (النظام السوري) الذي يدير خلافاتهم ويقايض بين زعاماتهم وطوائفهم، ومن هنا يُفهم بقاء الانقسام الطائفي شرطاً من شروط استمرار النفوذ السوري في لبنان.
ولذلك بمكن القول، إن الطائف أنهى الحرب وأعاد توزيع السلطة، لكنه لم ينجزْ مشروع الدولة السيدة بالكامل.
خامسًا: الصعود السُنّي والشيعي في ظل الهيْمنة السورية، 1990–2005
منذ العام 1990 ظهر في لبنان مساران إسلاميان متوازيان، ولكن مختلفان في أدواتهما. وقد مثل رفيق الحريري صعودًا سُنّيا سياسيًا واقتصاديًا ارتبط بالدولة وإعادة الإعمار والانفتاح الخليجي والدولي، بينما مثل حزب الله صعودًا شيعيًا سياسيًا وعسكريًا ارتبط بمقاومة إسرائيل وبالتحالف مع سورية وإيران، وكذلك التحالف مع حركة أمل، بعد المواجهات الدامية التي وقعت بينهما بين العامين 1988 و1990، عُرفت باسم “حرب الإخوة”، وفي الوقت ذاته، بقيت سورية صاحبة نفوذ واسع، كرسته “معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق” العام 1991، وشبكة أمنية وسياسية واسعة قاهرة.
وتمثل مرحلة رفيق الحريري بتوحيد إلى حد بعيد الزعامة السُنّية حوله، خصوصًا في بيروت، مستفيدا من استحسان اللبنانيين، وخصوصا السُنّة منهم، لدوره في النهوض بالتعليم بجهوده الخاصة (المنح التعليمية). وبعد وصوله إلى رئاسة الحكومة في العام 1992 عمل على إعادة الإعمار، ولا سيما بناء وسط بيروت والبنى الأساسية، وتثبيت العملة اللبنانية، واستعادة السياحة والاستثمار والانفتاح على دول الخليج العربية. وأصبح الحضور السعودي عنصرًا مهما في الاقتصاد اللبناني، وفي قوة الحريري السياسية كرجل السعودية في لبنان. لكن نموذج الإعمار اعتمد أيضًا بدرجة كبيرة على الاقتراض وسندات الخزينة، فارتفع الدين العام وتكاليف تمويله.
في المقابل ازدادت شرعية حزب الله مع مقاومة الاحتلال، وتعاظمت بعد انسحاب إسرائيل من معظم الجنوب مكرهة العام 2000. وهكذا، تكونت قوتان مختلفتان في أدواتهما ومصادر قوتهما: الحريري بالدولة والاقتصاد والعلاقات العربية والدولية، وحزب الله بالمقاومة والسلاح والتحالف السوري–الإيراني.
أما السُنّة عمومًا، فكان موقف قسم واسع منهم من الهيْمنة السورية خلال التسعينيات أقرب إلى الصمت أو التكيف. ولم يكن ذلك تأييدًا خالصًا لسورية، بل تداخل فيه أسباب عديدة: الانتماء العربي، والخوف من استرجاع الموارنة امتيازاتهم السابقة في حال خرج الجيش السوري من البلاد، فضلا عن الحاجة إلى الحماية السياسية. ولا ننسى دور الحريري نفسه في التوفيق بين الرياض ودمشق على الساحة اللبنانية الذي وجد قبولا سُنّيا. وهذه مسألة مهمة؛ لأن الصمت السُنّي في تلك المرحلة تزامن مع صعود شيعي سياسي وعسكري.
ومع وصول قائد الجيش إميل لحود إلى الرئاسة العام 1998، بدأت علاقة رفيق الحريري بدمشق تتوتّر، إذ أمسك بشار الأسد بالملف اللبناني ومال إلى لحود وإلى جيل أمني جديد، بينما ارتبط الحريري بالحرس القديم: عبد الحليم خدّام وحكمت الشهابي وغازي كنعان. ثم كشف فوزه الكاسح في انتخابات 2000، متجاوزًا نفوذ لحود ودمشق، حجمَ التأييد الشعبي له، ولا سيّما في الأوساط السنّية، وتناميَ الاعتراض على الوصاية السورية. فقد أتاح الاقتراع السرّي التعبير عن مواقف يصعب إعلانها في ظلّ الهيمنة السورية، وإن لم يكن التصويت للحريري بالضرورة تصويتًا ضدّ سورية.
وتفاقم الخلاف مع فرض التمديد للحود عام 2004، وبلغ ذروته في لقاء الحريري المتوتّر ببشار الأسد في دمشق في آب من العام نفسه. ثم أثار ظهور الحريري مصابًا بكسر في كتفه، وسط روايات متضاربة عن ملابساته، مزيدًا من النقمة على النظام السوري في أوساط مؤيّديه. وتزامن ذلك مع صدور القرار الدولي 1559، الذي مثّل بداية النهاية للهيمنة السورية على لبنان. ثم أنهى اغتيال الحريري في 14 شباط 2005 التوازن الذي حكم المرحلة السابقة، وفتح مرحلة جديدة في التاريخ السياسي السنّي والشيعي.
سادسًا: السُنّة من العروبة السياسية إلى أولوية الدولة، من 2005 إلى اليوم
أحدث اغتيال رفيق الحريري تحولًا بالغ الأهمية في البيئة السُنّية. فقد خرجت أعداد كبيرة من السُنّة إلى الشارع للمرة الأولى مطالبةً بالحقيقة والسيادة وخروج الجيش السوري، والتقت مع قوى مسيحية ودرزية في حركة 14 آذار. فأُجبرت دمشق على سحب جيشها من البلاد في نيسان 2005.
لكن التحول الأهم، كان في تصور السُنّة للدولة. لم يتخلوا عن عروبتهم، ولم يتحولوا إلى قوميين لبنانيين بالمعنى الأيديولوجي، لكن ترتيب الأولويات تغير بالنسبة إليهم. أصبح شعار نجله سعد، الوريث للحريرية السياسية، “لبنان أولا” مقبولا من قبل السُنّة، ودولته بالنسبة إلى قطاعات واسعة منهم الإطار الذي تمارس العروبة من داخله، لا مرجعية خارجية تتقدم عليه.
في المقابل، لم تستعد الدولة اللبنانية احتكارها للقوة. فقد احتفظ حزب الله بسلاحه وبعلاقته الاستراتيجية بإيران، وبسورية بعد انسحابها من لبنان، واكتسب قدرةً كبيرةً على التأثير في الحياة السياسية، مستفيدًا أيضًا من قاعدة اجتماعية وتمثيل نيابي وحكومي وتحالف مع حركة أمل، ومن سيكولوجية سلاحه، فارضا ثقافته الفارسية على بيئته، والتمدد بها إلى خارج مناطق نفوذه.
ثم غيّر “تفاهم مار مخايل” (6 شباط 2006) التوازنات، إذ تبادل فيه التيّار الوطني الحرّ وحزب الله المصالح: وفّر عون، العائد من المنفى، للحزب غطاءً مسيحيًا واسعًا لسلاحه، في مقابل تبنّي الحزب طموحه التاريخي إلى رئاسة الجمهورية. وشقّ الاتفاق المعسكر الماروني، ومنذ ذلك الحين تهالك زعماء موارنة وسنّة على كسب ودّ الحزب للوصول إلى الرئاستين الأولى والثالثة، فيما تربّع نبيه برّي على الرئاسة الثانية بلا منازع منذ العام 1992. وفي مناخ الانفراد بالقرار السياسي والعسكري، نفّذ الحزب عملية “الوعد الصادق” ضد إسرائيل في 12 تموز 2006، فأعاد مسألة قرار الحرب والسلم إلى صدارة النقاش.
وفي ذروة الانقسام بين قوى 14 آذار و8 آذار حول المحكمة الخاصة بلبنان، اندلعت في 25 كانون الثاني 2007 مواجهات بين طلاب سنّة وشيعة في جامعة بيروت العربية بالطريق الجديدة، اتّخذت بعدًا مذهبيًا لشعور كثير من السنّة بمسؤولية سورية أو حزب الله عن اغتيال الحريري. ثم اجتاح الحزب وحلفاؤه غرب بيروت في أيار 2008، ردًّا على قرارَي حكومة فؤاد السنيورة في 5 أيار بشأن شبكة اتصالاته غير الشرعية وجهاز أمن المطار. فانهار تيار المستقبل بسرعة، بينما ترك الحادث أثرًا عميقًا لدى السنّة، الذين رأوا قوّةً مسلّحة تجتاح مناطقهم وتفرض توازنًا سياسيًا بالقوّة، بينما تعجز الدولة وجيشها عن حمايتهم. وانتهت الأزمة باتفاق الدوحة في 21 أيار 2008 برعاية قطرية وعربية، فانتُخب ميشال سليمان رئيساً في 25 أيار، وشُكّلت حكومة نالت فيها المعارضة الثلث الضامن.
واللافت أن تلك الأحداث لم تنعكس ميلا سنيّا إلى أعمال التطرف الإسلامي الجهادي في لبنان؛ من الضنّية (2000) ونهر البارد (2007) وطرابلس (2008) وعرسال (2014) شمالاً، إلى عبرا (2013) وعين الحلوة (2023) جنوباً، وبقي معزولاً عن عموم السنّة الذين وقفت مرجعياتهم إلى جانب الجيش.
منذ ذلك الحين، صار تعطيل المؤسّسات أداةً لحزب الله وحلفائه في الصراع على موازين القوى، فتكرّر تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية، وطال تشكيل الحكومات أشهرًا. وتجلّى تجاوز السيادة اللبنانية في القمّة الثلاثية التي جمعت في دمشق الرئيسين بشار الأسد ومحمود أحمدي نجاد والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في 25 شباط 2010، في غياب الرئيس ميشال سليمان: فحضور قائدِ حزبٍ يملك قوّة عسكرية مستقلّة عن الدولة دلّ على أنّ شؤون لبنان وأمنه باتت تُناقش داخل التحالف السوري–الإيراني بمشاركة طرف من خارج المؤسّسات الدستورية، وأنّ قرار الحرب والسلم يُدار فعليًا خارج الدولة. ولم تُفلح القمّة الثلاثية في بعبدا بين سليمان والأسد والعاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز في 30 تموز 2010 في ردم الهوّة حول المحكمة الدولية، ثم أسقط الحزب وحلفاؤه حكومة سعد الحريري في 12 كانون الثاني 2011، فعدّت الرياض ذلك موجّهًا ضدّها وابتعدت عن الساحة اللبنانية.
وقد أخفق “إعلان بعبدا” في 11 حزيران 2012 في تحييد لبنان عن الحرب في سورية، فلم يعد الخلاف على سلاح الحزب مقصورًا على مواجهة إسرائيل، بل امتدّ إلى استخدامه خارج الحدود.أما سعد الحريري، فغادر لبنان على الفور لأسباب قال إنها أمنية، وعاد إلى بيروت في زيارات قصيرة متقطعة قبل عودته السياسية الفعلية العام 2016. وانعكس ذلك فراغا سياسيا سُنّيا: كيف تستطيع زعامة سياسية قيادة جماعتها من الخارج حين كانت تتعرض لضغوط كبيرة في أثناء الثورة في سورية. وازداد الاستقطاب المذهبي مع توسع حزب الله عسكريًا وتنظيميًا في لبنان وتدخله في سورية. ولذلك اتسعت المفارقة: ازداد إحساس السُنّة بتراجع تأثيرهم السياسي من ناحية، وارتباطهم بالدولة من ناحية أخرى. وترجموا امتعاضهم من سلوك الحريري في صناديق الاقتراع العام 2018، حيث خسر تيار المستقبل ثلث مقاعده في مجلس النواب.
واستنادا إلى سلاحه، فرض حزب الله الفراغ الرئاسي بين 2014 2016، بمقاطعة مشتركة مع التيار الوطني الحر لجلسات متكررةً لانتخاب الرئيس، إلى أن انتخب ميشال عون رئيسا نهاية تشرين الأول من السنة الأخيرة. وجاء ذلك نتيجة سلسلة من الحراك الدبلوماسي الداخلي: “إعلان النوايا” (2015) و”اتفاق معراب” (مطلع العام 2016) بين عون وجعجع لإقامة ثنائية مارونية تختزل القوى السياسية المسيحية الأخرى. وتضمن الاتفاق دعم جعجع انتخاب عون للرئاسة، وتقاسم الطرفين مواقع مسيحية في مؤسسات الدولة، لم يلتزم بها التيار العوني. وتلا ذلك توافق بين عون والحريري على وصول الأخير إلى بعبدا في إطار تسوية برعاية حزب الله أعادتْ الحريري إلى رئاسة الحكومة.
وبالرغم من هذا التوافق، ادعى عون أنه الممثل للمسيحيين والمدافع عنهم، موجها اتهامات غير محقة إلى السنّة بأنهم يستولون على مراكز للمسيحيين ويسلبون رئاسة الجمهورية صلاحيات لهم، متناسيا وقوف رفيق الحريري وراء قبول المسلمين بالمناصفة في الطائف بينهم وبين المسيحيين في مجلس النواب (كذلك في مجلس الوزراء)، وفي مراكز الفئة الأولى، مع أن عدد الأخيرين كان لا يتجاوز ال 30% من مجموع سكان لبنان. ولم يدرك الكثير من المسيحيين “عظمة” هذا القرار الذي استبعد العدد من المعادلة السياسية، معترفاً بالمسيحيين مكوناً حضارياً له إنجازاته في تاريخ لبنان.
وقد تسبب سلوك الحريري مرة أخرى في تباينات داخل البيت السُنّي. رأى المنتقدونْ (السنيورة، المشنوق، ريفي..) أن زعيم تيار المستقبل خضع لتسوية مع أبرز حليف مسيحي لحزب الله الذي اجتاح مناطقهم قبل أعوام. وكانت النتيجة دخول سعد الحريري في مساكنة سياسية مع التيار العوني، بينما بقي سلاح الحزب خارج سلطة الدولة. كما بدأت أزمات تشكيل الحكومات تفسر داخل البيئة السُنّية بوصفها مساسًا بموقع رئاسة الحكومة السُنّي.
تزامنا، تراكمتْ أزمة الاقتصاد والفساد والمحاصصة للمنظومة الحاكمة، وتقاسم الموارد والتعيينات والعقود بين قوى سياسية وطائفية مختلفة، ومنها حزب الله الذي شارك المحاصصة، وفي تصنيع المخدرات و”تصديرها”، وفي تهريب السلع الحياتية والاستراتيجية إلى سورية وغسيل الأموال. وسادت مقولة: “حزب الله يغطي الفساد ويشارك فيه، مقابل السكوت على سلاحه”. وأدى تردي الأوضاع المعيشية إلى انتفاضة لبنانية في 17 تشرين الأول2019 في مناطق متعددة من لبنان، ومنها ما هو خاضع لنفوذ أمل وحزب الله أُجهز عليه بعنف. وسرعان ما تحولت الانتفاضة من حركة مطلبية إلى رغبة سياسية لإسقاط الطبقة الحاكمة. فشارك فيها تيار المستقبل بحذر، والحزب التقدمي الاشتراكي في مناطقه، وتحول الزخم في بعض مراحله إلى حضور طرابلسي لافت في قلب بيروت.
وفي 29 تشرين الأول 2019، استقال الحريري، في حين تراجعت الانتفاضة تحت ضغط الانقسامات والمواجهات والأزمة المالية ثم جائحة كورونا. في أثناء ذلك، حصل الانهيار المالي، وفرضت المصارف قيودًا على أموال المودعين، وانهارت قيمة الليرة اللبنانية، وأعلن لبنان العام 2020 التوقف عن دفع استحقاقات من ديونه السيادية. ثم وقع انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، فواجه التحقيق اعتراضات سياسية وقضائية، كشفتْ مدى ضعف مؤسسات المساءلة، وصولا إلى تهديد مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق وفيق صفا القضاء اللبناني في عقر داره. فانعكس التردي الأمني والاقتصادي والأخلاقي في هجرة لبنانية دافقة إلى الخارج، وفي دعوة البطريرك الراعي إلى حياد لبنان، أساسا لمنع التدخلات الخارجية فيه، من دون أن تلقى دعوته قبولا.
في الوقت نفسه، تدهورت علاقات لبنان مع دول الخليج العربية، حول الدور الإقليمي لحزب الله وعلاقته بإيران، وتدخله في نزاعات المنطقة، فضلًا عن خطابه المعادي لدول الخليج العربية، وللسعودية بوجه خاص. وكان لذلك أثر اقتصادي وسياسي سيء على السياحة والاستثمار والتحويلات والعلاقات العربية بالنسبة إلى لبنان.
وفي 24 كانون الثاني 2022، أعلن سعد الحريري “تعليق” عمله السياسي، فدخل التمثيل السنّي مرحلة من التشتّت. ومن المفارقات الأساسية في تاريخ السنّة أنّ ذلك زادهم تمسّكًا بالدولة اللبنانية على ضعفها. في المقابل، تعاظمت قوّة حزب الله، الذي فتح جبهة الجنوب في 8 تشرين الأول 2023 لإسناد غزّة، فأعاد طرح سؤال قرار الحرب والسلم. ثم تصاعدت المواجهة العام 2024 إلى حرب واسعة، شهدت تفجير أجهزة “البيجر” في 17 أيلول، واغتيال حسن نصر الله في 27 منه، إلى جانب عدد من كبار قادة الحزب. وانتهت الحرب بوقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، وتلاها سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، فتبدّلت البيئة الإقليمية التي استند إليها الحزب طوال عقود.
من هنا، شكل ضعف حزب الله فرصةً لقيام نهج جديد في الحكم في لبنان بمؤازرة عربية ودولية. فجرى انتخاب قائد الجيش جوزاف عون رئيسًا للجمهورية مطلع العام 2025، وجرى تكليف نواف سلام بتشكيل الحكومة، وأصبح حصر السلاح بيد الدولة (= نزع سلاح الحزب) مطلبا شعبيا وعنوانًا رسميا للسلطة الجديدة. وفي 9 نيسان 2026، أعلنت حكومة سلام قراراها جعل بيروت مدينة خالية من السلاح غير الشرعي، عبر بسط سلطة الدولة وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية.
وجاءت مواقف دار الفتوى منسجمة مع قرار مجلس الوزراء حصر السلاح بيد الدولة، ثم جددت ذلك في كانون الثاني 2026 بدعوتها إلى الإسراع في تنفيذ هذا القرار وبسط سلطة الدولة بقواها الشرعية على أراضيها جميعا، وبحق الدولة في التفاوض مع أجل انسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلها في الجنوب.
الاستنتاج
لقد تغير السؤال السياسي الذي واجه السُنّة في لبنان من مرحلة إلى أخرى. ففي العام 1920 كان السؤال عن قبول لبنان الكبير نفسه، وفي العام 1943 صار السؤال عن شراكتهم في الدولة. وبعد الطائف أصبح السؤال عن موقعهم في نظام أعيد توزيع السلطة فيه، أما بعد العام 2005، فأصبح السؤال عن الدولة نفسها: سيادتها واحتكارها للسلاح ولقرار الحرب والسلم والتفاوض. ولم يتحول السُنّة في ذلك إلى قوميين لبنانيين بالمفهوم الإيديولوجي، ولم تغب في الوقت نفسه العروبة عن وعيهم، لكن ترتيب المرجعيات تغيّر بالنسبة إليهم، فصارتْ الدولة الإطار الذي تمارس العروبة والسياسة من داخله. ويتضح هذا التحول بالمقارنة مع الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حين أيدت قطاعات سُنّية واسعة السلاح الفلسطيني. أما اليوم، فيرى اتجاه سُنّي واسع أن السلاح للدولة وحدها، وأنها هي التي تقرر متى تحارب ومتى تفاوض.
هكذا، بعد أكثر من قرن على قيام لبنان الكبير، لم تعد المشكلة في الاعتراف بالكيان، بل في حدود سلطة الدولة وسيادتها على أرضها، بينما بقيت إشكالية المواطنة رهنًا بقدرة الجماعات الطائفية على التوفيق بين خصوصياتها وانتمائها الوطني، وبقدرة الدولة على ضمان المساواة في الحقوق والواجبات، كي لا تغدو الانتماءات الطائفية عائقًا أمام بناء الدولة ومؤسّساتها. وهنا يبرز دور التربية والتعليم في ترسيخ الانتماء إلى الوطن اللبناني. ومن ثمّ يُطرح السؤال على اللبنانيين جميعًا، لا على السنّة وحدهم: هل تقبل الجماعات اللبنانية بعلاقة جديدة بين الفرد والدولة قوامها المواطنة، وبين المواطنين أنفسهم قوامها المواطنية؟ ويستتبع ذلك سؤالاً آخر: هل تقبل الجماعات كلّها بأن تكون الدولة، لا الطائفة ولا الزعيم ولا التنظيم المسلّح ولا الخارج، المرجعَ السياسي الأعلى؟



