الأكثر قراءة

تداعيات حرب أوكرانيا تمتد إلى قلب الأمن الأوروبي الداخلي

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

يطرح إدراج بند متعلق بالمقاتلين الروس السابقين في استنتاجات المجلس الأوروبي تساؤلات جديدة حول مستقبل الأمن الداخلي للاتحاد الأوروبي. فالتداعيات المحتملة لحرب أوكرانيا لم تعد محصورة في ساحة القتال، بل تمتد إلى سياسات التأشيرات وحدود شنغن. وبين الاعتبارات الأمنية والالتزامات القانونية، يجد الاتحاد نفسه أمام ملف حساس يتطلب مقاربة دقيقة ومتوازنة.

استنتاجات المجلس الأوروبي بشأن أوكرانيا

يشير بند قصير في أحدث استنتاجات المجلس الأوروبي بشأن أوكرانيا إلى سؤال أوسع على مستوى الأمن الداخلي للاتحاد الأوروبي: كيف يمكن تقييم المقاتلين الروس السابقين الذين شاركوا في الحرب ضد أوكرانيا وقد يسعون لاحقًا إلى دخول منطقة شنغن.

وقد فتح قادة الاتحاد الأوروبي الباب أمام احتمال اتخاذ تدابير أمن داخلي تتعلق بالمقاتلين الروس السابقين الذين شاركوا في حرب أوكرانيا، في إشارة إلى أن تداعيات الصراع قد تمتد بشكل متزايد إلى سياسات التأشيرات والحدود والشرطة وأمن منطقة شنغن.

وفي الاستنتاجات التي اعتمدت في 18 و19 يونيو من العام 2026، أكد المجلس الأوروبي إنه، في ضوء التهديد المحتمل طويل الأمد الذي يمثله المقاتلون الروس السابقون على الأمن الداخلي للاتحاد، ينبغي القيام بمزيد من العمل الفني لتقييم سبل التعامل مع هذه المسألة. جاءت الصياغة حذرة وإجرائية، لكن إدراجها في النص يحمل أهمية سياسية وأمنية.

يظهر هذا البند ضمن قسم أوكرانيا في نتائج القمة، بعد إشارات إلى الهجمات الصاروخية والهجمات بالطائرات المسيّرة الروسية، وانتهاكات المجال الجوي للدول الأعضاء، والمساءلة عن جرائم الحرب. وهو لا يفرض أي قيود أوروبية جديدة بشكل مباشر، لكنه يطلب من المسؤولين البدء في دراسة ما قد يحتاجه الاتحاد إذا حاول أشخاص قاتلوا في الحرب ضد أوكرانيا لاحقًا دخول أراضيه أو الإقامة فيه أو التنقل داخله.

قضية أمنية بعد الحرب

يركز النقاش داخل الاتحاد الأوروبي على العقوبات، والمساعدات العسكرية لكييف، وأمن الطاقة، والمساءلة، لكن بند المقاتلين السابقين يشير إلى مرحلة مختلفة: ما بعد الحرب على مستوى الأمن الداخلي. المخاوف لا تقتصر على خبرة هؤلاء في القتال، بل تشمل احتمال تورط بعضهم في جرائم حرب أو أن يكونوا شهودًا عليها، أو ارتباطهم ببنى تجنيد أو شبكات استخبارات أو أنشطة إجرامية منظمة.

كما قد يكون آخرون قد تعرضوا لعملية تطرف عبر الدعاية الحكومية، أو تلقوا تدريبًا على الأسلحة والمتفجرات، أو ارتبطوا بوحدات يمكن أن تستخدمها أجهزة روسية لاحقًا في أعمال ضغط أو ترهيب أو عمليات غير مباشرة في الخارج. لكن ذلك لا يعني أن كل من خدم في الجيش الروسي يشكل تهديدًا أمنيًا. فالكثير منهم قد يكون مجندين إلزاميين أو تم استدعاؤهم تحت الضغط، وبعضهم قد يسعى للحماية أو الانفصال عن الكرملين.

لذلك فإن أي استجابة أوروبية ستحتاج إلى التمييز بين الحالات الفردية والالتزامات القانونية وطلبات اللجوء والمخاطر الأمنية الحقيقية. إلا أن صياغة المجلس تشير إلى أن القادة لا يريدون ترك هذا الملف إلى ما بعد عودة أعداد كبيرة من المقاتلين، بل يرغبون في بدء العمل.

الحدود والتأشيرات وقواعد البيانات

من المرجح أن تتركز التداعيات السياسية على تقاطع إدارة حدود شنغن، وفحص التأشيرات، والتعاون الشرطي، وقواعد البيانات الأمنية. تمتلك الدول الأعضاء بالفعل صلاحيات وطنية لرفض الدخول لأسباب تتعلق بالأمن العام، كما تتشارك في الإنذارات عبر أنظمة مثل نظام معلومات شنغن، وتتعاون من خلال يوروبول ويوروجست وقنوات استخباراتية وطنية.

السؤال الجديد هو ما إذا كان ينبغي أن تتحول صفة “المقاتل الروسي السابق” إلى عامل يؤدي إلى فحوصات أكثر منهجية، أو إرشادات جديدة للقنصليات وحرس الحدود، أو تنسيق أوثق حول مؤشرات المخاطر. قد يشمل ذلك مراجعة تاريخ الخدمة العسكرية أثناء طلبات التأشيرة، وتحسين تبادل المعلومات حول الوحدات أو القادة المعروفين، وتقييم ما إذا كانت المشاركة في حرب أوكرانيا يجب أن تؤثر على قرارات الدخول أو الإقامة أو العقوبات المستقبلية.

وأكد المجلس أن أي عمل سيجري “دون المساس” بصلاحيات الدول الأعضاء، وهو ما يعكس حساسية الملف، إذ تبقى قضايا الأمن الداخلي والشرطة والإقامة ضمن اختصاص وطني واسع، بينما يقتصر دور بروكسل على التنسيق وتوفير الأدوات وتسهيل تبادل المعلومات.

بند صغير بمعنى أوسع

قد يبدو البند هامشيًا لأنه مدرج ضمن مجموعة أوسع من استنتاجات القمة. فقد أدان قادة الاتحاد الأوروبي أيضًا الهجمات الروسية الأخيرة على أوكرانيا، بما في ذلك استهداف مواقع ثقافية مثل دير كييف-بيتشيرسك المدرج على قائمة اليونسكو، وانتهاكات متكررة للمجال الجوي والمياه الإقليمية للدول الأعضاء، وحملات هجينة من روسيا وبيلاروس.

وتضع هذه الاستنتاجات الصراع ضمن إطار أمني أوسع: لم تعد الحرب تُنظر إليها فقط كصراع داخل أوكرانيا، بل كمصدر ضغط على أراضي الاتحاد الأوروبي وبنيته التحتية وأمنه الداخلي. ومن هذا المنظور، يأتي بند المقاتلين السابقين ضمن منطق أوسع: ليس فقط عن الدبابات أو الحدود، بل عن الأشخاص والسجلات والشبكات والتنقل المستقبلي.

حذر قانوني وسياسي

أي تحرك أوروبي في هذا الاتجاه سيكون حساسًا قانونيًا، إذ قد يثير أسئلة حول التناسب، والتقييم الفردي، وحقوق اللجوء، وعدم التمييز. فلا يمكن للاتحاد الأوروبي التعامل مع الجنسية أو الخلفية العسكرية كدليل تلقائي على التهديد. في المقابل، سيكون تجاهل الملف صعبًا سياسيًا، إذ من المرجح أن تدفع أوكرانيا ودول شرق الاتحاد نحو تشديد التدقيق على أي شخص شارك في العدوان.

كما قد تطالب دول البلطيق وأوروبا الوسطى بمزيد من الفحص نظرًا لتجاربها مع العمليات الروسية الهجينة. أما الدول الغربية فقد تتبنى موقفًا أكثر حذرًا، خاصة فيما يتعلق بطالبي اللجوء أو المنشقين أو من رفضوا الخدمة العسكرية. ولذلك من المتوقع أن يركز العمل الفني على كيفية تحديد المخاطر دون تحويلها إلى فئة سياسية عامة.

شنغن: التحدي العملي الأكبر

التحدي العملي الأكبر يتعلق بمنطقة شنغن، حيث إن حرية التنقل داخلها تجعل الفحص عند الحدود الخارجية أكثر أهمية، وتزيد الحاجة إلى تبادل المعلومات وتوحيد معايير المخاطر. وقد يؤدي هذا النقاش إلى تعزيز إجراءات الأمن المرتبطة بالحرب، مثل تشديد التدقيق على شبكات الاستخبارات المعادية، ومراقبة أنماط السفر ذات الاستخدام المزدوج، وزيادة الربط بين بيانات الهجرة وتقييمات إنفاذ القانون.

ولهذا فإن صياغة المجلس، رغم طابعها الإداري، تحمل دلالة مهمة: الاتحاد الأوروبي بدأ يفكر في تداعيات حرب أوكرانيا على مستوى الأمن الداخلي، ليس فقط أثناء القتال، بل كذلك بعد عودة المقاتلين من ساحة المعركة.

ويبقى السؤال هو ما الذي ستنتجه “الأعمال الفنية” المطلوبة: هل ستقود إلى إرشادات محدودة وتبادل معلومات، أم إلى مقترحات بشأن التأشيرات وقواعد البيانات والعقوبات، أم ستكشف الانقسام المعتاد داخل الاتحاد بين من يطالب بإجراءات صارمة فورية ومن يفضل نهجًا قانونيًا أضيق.

لكن المؤكد أن الملف أصبح الآن جزءًا من جدول أعمال المجلس الأوروبي، وهو ما يعني أن أوروبا بدأت رسميًا في التخطيط للظل الأمني الطويل الأمد لحرب روسيا على أوكرانيا.

https://hura7.com/?p=80594

 

 

الأكثر قراءة