جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

يحاول الجميع الوقوف أمام تراجع مواقف الرئيس دونالد ترامب القائمة على التهديد بتوجيه ضربة إلى إيران، بعدما كان يلوّح بأنها ستكون ضربة قاسية تعيق قدراتها وتحطم جزءًا كبيرًا من البنية التحتية للدولة.
لكن مواقف ترامب باتت أكثر وضوحًا في اعتماد سياسة تقوم على استخدام الجزرة والعصا في مواجهة الحرس الثوري، بهدف دفعه إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات. فالعصا موجودة في التهديد بضربة عسكرية إذا فشلت المفاوضات، والجزرة موجودة في إبقاء الباب مفتوحًا أمام تسوية تسمح لإيران بالخروج من المواجهة من دون الذهاب إلى تدمير شامل.
فإذا نُفذت الضربة الأمريكية، فإنها، وفق التهديدات المطروحة، ستكون قاسية ومؤثرة ومدمرة لقدرات عسكرية وبنى تحتية إيرانية. لكن المشكلة بالنسبة إلى الولايات المتحدة ليست فقط في القدرة على توجيه الضربة، وإنما في ما سيأتي بعدها.
ترامب لا يريد تدمير إيران
ترامب رجل سياسي يدرك أن التدمير الكامل لدولة بحجم إيران لن ينتهي بمجرد تنفيذ الضربات. فالتدمير يحتاج إلى خطة لإعادة الإعمار، وإلى سنوات طويلة من المتابعة السياسية والاقتصادية والأمنية، بينما الفترة الزمنية المتاحة أمام ترامب ليست مفتوحة، ولا تسمح له بالدخول في مشروع طويل لإعادة بناء إيران بعد تدميرها.
ولهذا، فإن الهدف الأمريكي، وفق هذه الرؤية، ليس تدمير إيران، وإنما إضعاف قدرتها على تهديد الولايات المتحدة وحلفائها، ثم إبقاؤها دولة قادرة على الاستمرار وإجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات.
فالضربة، إذا حصلت، يجب أن تكون محسوبة، وأن تحقق أهدافًا عسكرية وسياسية محددة، من دون أن تتحول إلى عملية تفتح أبواب الفوضى داخل إيران.
وهنا تظهر أهمية سياسة العصا والجزرة. فترامب يريد أن يقول للحرس الثوري إن الخيار العسكري موجود، وإن الضربة ستكون مؤلمة، لكنه في الوقت نفسه يترك بابًا مفتوحًا أمام التفاوض، وكأنه يقول: يمكنكم تجنب التدمير إذا اخترتم التفاوض.
النفط يبقى شريان الحياة
ومن هنا، يمكن فهم أحد الأهداف الأساسية للسياسة الأمريكية تجاه إيران: عدم قطع شريان النفط بشكل كامل.
فترك مساحة أمام إيران لتصدير جزء من نفطها يسمح لها بالحصول على الأموال التي تحتاج إليها، والاستفادة من مخزونها النفطي الموجود في البحر وفي الخزانات، وتحويل جزء من هذه العائدات إلى الداخل الإيراني.
فالولايات المتحدة، وفق هذا التصور، لا تريد أن تصل إيران إلى مرحلة الانهيار الاقتصادي الكامل، لأن الانهيار الكامل قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
إيران تحتاج إلى المال لتدفع رواتب موظفيها، وتؤمّن الخدمات الأساسية لشعبها، وتحافظ على مؤسسات الدولة، وتمنع تحول الأزمة الاقتصادية إلى انفجار اجتماعي شامل.
وبالتالي، فإن إبقاء جزء من النفط الإيراني خارج دائرة الحصار الكامل قد يكون جزءًا من المعادلة الأمريكية: اضغط على إيران، لكن لا تدفعها إلى الانهيار الكامل.
حتى الصواريخ قد تبقى
الأمر نفسه يمكن أن ينطبق على القدرات الصاروخية الإيرانية.
فقد لا يكون الهدف الأمريكي هو القضاء على كل صاروخ موجود في إيران، وإنما تقليص القدرات التي تسمح لها بشن حرب واسعة أو تهديد المصالح الأمريكية وحلفائها.
ترك جزء من هذه القدرات قد يسمح لطهران بالقول لشعبها إنها ما زالت دولة قادرة على الدفاع عن نفسها، وأنها لم تتحول إلى دولة عاجزة بالكامل أمام الولايات المتحدة.
وهذا عنصر مهم في أي تسوية سياسية. فالنظام الإيراني يحتاج إلى أن يحتفظ بصورة من صور القوة حتى يستطيع تقديم أي اتفاق لشعبه على أنه نتيجة للتفاوض وليس نتيجة للاستسلام.
ترامب لا يريد إسقاط النظام ثم ترك إيران للفوضى
وهنا تصل المعادلة إلى النقطة الأكثر حساسية.ترامب قد لا يريد إنهاء النظام الإيراني بطريقة تؤدي إلى تفكيك الدولة وترك إيران أمام الفوضى. فإسقاط النظام شيء، وتفكيك الدولة شيء آخر تمامًا.
إيران دولة كبيرة، متعددة القوميات والمذاهب، وتضم تركيبة اجتماعية وسياسية معقدة، إضافة إلى وجود مؤسسات عسكرية وأمنية قوية وشبكات مليشيوية مرتبطة بمراكز قوى مختلفة.
وفي حال انهار النظام بصورة مفاجئة من دون وجود بديل واضح، فقد لا تكون النتيجة قيام نظام ديمقراطي مستقر، بل يمكن أن تكون الفوضى هي النتيجة الأولى.
والفوضى في إيران لا تعني فقط أزمة داخلية إيرانية، وإنما يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمة إقليمية واسعة.
ماذا تعني الفوضى لإيران؟
إذا دخلت إيران مرحلة الفوضى، فإنها قد تواجه ثلاثة سيناريوهات رئيسية، لا تقتصر تداعياتها على الداخل الإيراني، بل يمكن أن تمتد إلى المنطقة بأكملها، وخصوصًا دول الخليج والدول المحيطة بإيران.
السيناريو الأول: صراع داخلي على السلطة
قد تبدأ مراكز القوى الإيرانية بمحاولة ملء أي فراغ سياسي أو أمني، وفي مقدمتها الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية والسياسية والقوى المختلفة داخل الدولة. وهذا قد يؤدي إلى صراع بين مراكز النفوذ، خصوصًا إذا لم تعد هناك سلطة مركزية قادرة على فرض قرارها على الجميع.
وفي هذه الحالة، قد تتحول إيران من دولة تواجه الخارج إلى دولة تواجه نفسها، ويصبح الصراع على السلطة أخطر من الصراع مع الولايات المتحدة.
ولا تقتصر خطورة هذا السيناريو على الصراع السياسي، فإيران تضم تركيبة قومية وعرقية متعددة، وأي ضعف كبير في السلطة المركزية يمكن أن يفتح الباب أمام مطالبات أكبر بالحكم الذاتي أو حتى الاستقلال في بعض المناطق.
وهذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة، لأن أي صراع قومي داخل إيران يمكن أن يجذب تدخلات إقليمية ودولية، ويحوّل الحدود الإيرانية إلى مناطق توتر مفتوحة.
وفي حال تفككت السيطرة المركزية، فإن جزءًا من السلاح الإيراني يمكن أن ينتقل إلى مجموعات مختلفة، وقد تتحرك الميليشيات المرتبطة بإيران بصورة مستقلة، وتبدأ كل جهة بالبحث عن مصالحها ومناطق نفوذها.
وعندها لن تبقى الأزمة داخل الحدود الإيرانية، بل يمكن أن تمتد إلى العراق والخليج وباكستان وأفغانستان وتركيا ومنطقة القوقاز، بدرجات مختلفة، كما يمكن أن يدخل أمن الملاحة والطاقة في المنطقة مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.
السيناريو الثاني: روسيا تحاول حماية مصالحها في إيران
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في احتمال محاولة روسيا حماية مصالحها الاستراتيجية في حال تفكك النظام الإيراني أو انهيار السلطة المركزية.
فإذا دخلت إيران مرحلة من الفوضى أو التفكك، فقد تجد موسكو نفسها أمام مخاوف كبيرة تتعلق بأمن بحر قزوين والقوقاز وآسيا الوسطى، إضافة إلى مصالحها العسكرية والاقتصادية داخل إيران.
وهذا السيناريو يستند إلى سوابق تاريخية، إذ شهدت إيران خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية تدخلات روسية وأجنبية وتقاسمًا لمناطق النفوذ، كما وصلت القوات الروسية في مراحل تاريخية إلى مناطق واسعة من شمال إيران، في حين امتدت المنافسة الدولية على النفوذ إلى مناطق أخرى من البلاد.
واليوم، تكتسب إيران أهمية خاصة بالنسبة إلى روسيا بسبب موقعها الجغرافي، وكونها تطل على بحر قزوين وتشكل منفذًا مهمًا باتجاه القوقاز وآسيا الوسطى، إضافة إلى موقعها في منظومة الممرات البحرية والتجارية الإقليمية.
كما أن إيران تؤمّن لروسيا جزءًا من احتياجاتها الصناعية والعسكرية بتكاليف أقل، ولا سيما في مجال تصنيع الطائرات المسيّرة التي تستخدمها روسيا في حرب أوكرانيا، إضافة إلى التعاون في مجالات الصواريخ والتكنولوجيا العسكرية.
وبالتالي، فإن أي تفكك للدولة الإيرانية قد يدفع موسكو إلى التحرك لحماية مصالحها، سواء سياسيًا أو اقتصاديًا أو أمنيًا، وربما عسكريًا إذا شعرت أن مصالحها الاستراتيجية باتت مهددة.
وهذا السيناريو سيكون مقلقًا أيضًا لدول الخليج، لأن وجود روسيا بصورة مباشرة أو غير مباشرة في بيئة إيرانية مضطربة سيضيف لاعبًا دوليًا جديدًا إلى منطقة تعاني أصلًا من التوترات والصراعات.
السيناريو الثالث: انقلاب عسكري للحفاظ على وحدة إيران
أما السيناريو الثالث، وهو ربما الأكثر انسجامًا مع المصالح الأمريكية في حال وصول إيران إلى مرحلة الفوضى، فيتمثل في رفض واشنطن انهيار الدولة الإيرانية أو تفككها، والذهاب باتجاه دعم انتقال داخلي يحافظ على وحدة البلاد.
وقد يأخذ هذا الانتقال شكل انقلاب عسكري أو تغيير سياسي تقوده مؤسسات الدولة، بهدف منع السيناريو الأول والثاني، أي منع الحرب الداخلية ومنع تدخل القوى الخارجية.
وهنا يمكن استحضار تجربة رئيس الوزراء الإيراني السابق محمد مصدق، وما رافقها من تدخل أمريكي وبريطاني أدى إلى إسقاط حكومته عام 1953، باعتبارها سابقة تاريخية تظهر حجم الاهتمام الغربي بالحفاظ على اتجاه الدولة الإيرانية عندما تتعارض التطورات
الخليج أمام خطر الفوضى الإيرانية
فإن دول الخليج تحديدًا قد تكون من أكثر الدول التي تراقب هذه المعادلة بدقة.فهي تريد إيران ضعيفة بما يكفي حتى لا تستطيع تهديد أمنها، لكنها في الوقت نفسه لا تريد إيران منهارة إلى درجة تتحول معها الحدود والممرات البحرية إلى ساحات فوضى.
فالخطر ليس فقط في الصواريخ الإيرانية، وإنما أيضًا في احتمال انهيار مؤسسات الدولة وظهور مجموعات مسلحة تمتلك السلاح والصواريخ والطائرات المسيرة، ولا تخضع لقرار مركزي.
ومن هنا، فإن السيناريو الذي تخشاه المنطقة قد لا يكون بقاء إيران قوية، ولا حتى ضعف النظام وحده، وإنما تحول إيران إلى دولة كبيرة مسلحة ولكن من دون سلطة مركزية قادرة على ضبط السلاح.
الهدف الأمريكي: إيران قوية بما يكفي للبقاء وضعيفة بما يكفي للتفاوض
وهنا يمكن فهم جوهر سياسة ترامب وفق هذا التصور. ترامب لا يريد تدمير إيران، ولا يريد الدخول في حرب طويلة لإعادة إعمارها، ولا يريد أن تتحول الدولة الإيرانية إلى ساحة فوضى تهدد المنطقة بأكملها.
ما يريده هو الوصول إلى نقطة وسط: إيران تبقى دولة، وتبقى قادرة على إنتاج النفط وإدارة مؤسساتها، لكنها تصبح أضعف عسكريًا واقتصاديًا، وتدرك أن استمرار المواجهة مع الولايات المتحدة ستكون كلفته أكبر من الجلوس إلى طاولة التفاوض.
ولهذا تبدو العصا ضرورية لإبقاء التهديد العسكري حاضرًا، بينما تبقى الجزرة ضرورية لإقناع إيران بأن هناك طريقًا آخر غير الحرب.
وفي النهاية، فإن أصعب معادلة أمام ترامب ليست كيفية ضرب إيران، وإنما كيفية إجبارها على التراجع من دون تدميرها، وإضعاف النظام من دون تفكيك الدولة، والضغط على الحرس الثوري من دون فتح أبواب الفوضى أمام المنطقة.
فإذا نجحت واشنطن في تحقيق هذه المعادلة، فإنها تكون قد حققت هدفًا استراتيجيًا كبيرًا من دون الدخول في حرب طويلة. أما إذا فشلت، فإن إيران قد تنتقل من دولة تواجه حصارًا وضغطًا عسكريًا واقتصاديًا إلى دولة تواجه خطر التفكك الداخلي، وعندها لن تكون الخسارة إيرانية وحدها، بل قد تمتد تداعياتها إلى كامل الإقليم.


