د. خالد العزّي
جريدة الحرة ـ بيروت
لا شكّ أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بات يشعر بالإحراج والتشاؤم المتزايد من تصرّفات نظيره الروسي فلاديمير بوتين، الذي خيّب آماله في التوصّل إلى تسوية تُنهي الحرب الأوكرانية. فقد كان ترامب يُعوِّل على إمكانية عقد قمة تجمع بين بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، على أمل أن تمهِّد هذه القمة لحلٍّ سياسي يُخرج جميع الأطراف من مأزق الحرب ويعيد الاستقرار إلى المنطقة.
خيبة أمل ترامب في رهان التسوية مع بوتين
لكنّ الرئيس بوتين، كما اعتاد بدهائه السياسي، التفّ على الوعود التي روّج لها خلال قمة ألاسكا، والتي لم يُدرَج في جدول أعمالها لقاء يجمعه بزيلينسكي. ومع ذلك، أوحى للغرب بأنّه منفتح على الحوار، ما دفع ترامب إلى قدر من التفاؤل المبدئي. غير أنّ الواقع سرعان ما أثبت العكس، إذ استغلّ بوتين القمة لفكّ عزلته الدولية وتجاوز الضغوط والعقوبات التي لوّحت بها الولايات المتحدة. لقد كسب الوقت، ورمى الكرة في الملعب الأوروبي، ساعيًا إلى فرض شروطه التي عجز عن تحقيقها عسكريًّا عبر تسوية سياسية مع واشنطن.
هذا السلوك لم يُرضِ ترامب، بل زاد من تشاؤمه تجاه القضية الأوكرانية، التي تحوّلت إلى عبء فعلي على صورته ومواقفه، سواء في الداخل الأميركي أو بين حلفائه التقليديين. ولم تعد المعضلة بالنسبة إليه مرتبطة بالحرب وحدها، بل بكيفية التعامل مع بوتين، الذي بات يناور بين الشرق والغرب ويلعب على أكثر من حبل.

قمة شنغهاي: بوتين يبحث عن شرعية دولية وتوازن جديد
من جهته، حضر بوتين إلى الصين للمشاركة في قمة “شنغهاي” (1 – 3 أيلول الجاري)، لا كزعيمٍ يبحث عن حماية من “صديق قديم”، كما وصفه سابقًا، بل كشخص يسعى إلى إعادة تشكيل النظام العالمي على قاعدة “التعددية القطبية”. ومن خلال مشاركته في القمة التي جمعت 21 رئيس دولة، أطلق بوتين سلسلة من التصريحات النارية، محمِّلًا الاتحاد الأوروبي مسؤولية تفاقم الحرب في أوكرانيا، ومتهمًا إياه بدعم كييف سياسيًا وعسكريًا، في تحدٍّ مباشر للغرب.
بوتين حاول استثمار القمة ليبعث برسائل إلى واشنطن، مفادها أنّ زمن الهيمنة الأميركية قد انتهى، وأنّ العالم لا يتجه إلى حرب باردة جديدة، بل إلى توازن قوى جديد ينبغي احترامه. كما طالب بالاعتراف بالدور الروسي المحوري في الانتصار بالحرب العالمية الثانية، معتبرًا أنّ هذا الإرث التاريخي يمنحه حقّ لعب دور القطب الموازي لواشنطن. وهو ما يبرّر – في نظره – رفضه الوساطة الأوروبية، خصوصًا تلك التي تقترح تأمين قوات لحماية أوكرانيا، والتي يعتبرها تدخّلًا سافرًا في ميزان القوى الجديد.
القوة لا الحوار: تصعيد بوتين وفلسفة كيسنجر
وبصفته قائدًا سياسيًا وعسكريًا، أعطى بوتين أوامر للجيش الروسي بتكثيف الضربات على كييف، ومحاولة قضم أراضٍ جديدة على خطوط الجبهة. وهكذا وجّه رسالة واضحة بأنّه لن يتراجع عن مهامه ولا عن شروطه، مستندًا إلى مدرسة هنري كيسنجر، الدبلوماسي الأميركي الراحل، التي تؤمن بأنّ “القوة هي الحل النهائي” في معالجة الأزمات.
يدرك بوتين أنّ ترامب، رغم تحفّظاته، لا ينوي الذهاب إلى الحرب، ولن يمنحه انتصارات مجانية. فالولايات المتحدة، إن قررت المواجهة، ستكون حاسمة وقد تنقضّ عليه بقوة لا قِبل له بها. لذلك يعمل ترامب على ترويض بوتين ومحاولة فصله عن الصين عبر إغرائه بتنازلات محدودة بشأن الأراضي المتنازع عليها. غير أنّه بات مقتنعًا بأنّ هذه العروض لن تكون كافية لإبعاده عن الحرب، لأنّ بوتين نفسه أصبح أسير معادلة داخلية معقّدة ترتبط باسمه وتاريخه ومكانته كـ”قائد الحرب”.
معركة البقاء السياسي: بوتين بين الجبهة والخطر الداخلي
لا يستطيع الزعيم الروسي اليوم إنهاء الحرب من دون تحقيق مكاسب واضحة وملموسة يبرّر بها للرأي العام الروسي استمرار النزيف الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد. كما يدرك بوتين تمامًا أنّ وقف الحرب سريعًا، من دون ترتيب مفاعيلها، قد يقود إلى نتائج كارثية على نظامه، ويُطلق العنان لقوى عسكرية واجتماعية تهدّد سلطته بشكل مباشر.
ومن بين هذه التهديدات، تبرز المجموعات المسلّحة التي تحوّلت إلى الحرب كوسيلة للعيش، وقد تشكّل خطرًا داخليًا إذا وُجدت فجأة خارج الجبهة. وبخبرته، يتذكّر بوتين جيدًا صعوبة إعادة دمج الجنود العائدين من أفغانستان في المجتمع السوفييتي. واليوم، تواجه روسيا تجربة مشابهة، خصوصًا مع صعود مجموعات “فاغنر” التي أصبحت في مراحل معيّنة أقوى من الدولة نفسها، بل وحاولت الانقلاب عليها.

كيف سيواجه بوتين الأحداث المقبلة؟
في ظلّ تعقيدات المشهد الدولي، يبدو أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مقبل على تحدّيات متصاعدة ستضع استراتيجيته تحت ضغوط داخلية وخارجية متزامنة. فالمعادلات الجيوسياسية والتحولات في مواقف القوى الكبرى تكشف عن صعوبات قد لا يستطيع تجاوزها بسهولة في المرحلة المقبلة.
- حدود العنف ونهاية فعالية القوة: منذ عودته من قمة ألاسكا، اعتمد بوتين على تصعيد عسكري واضح، تمثّل في تكثيف الضربات على كييف ومحاولة السيطرة على بعض القرى والمواقع المحدودة. غير أنّ هذه الخطوات، على طابعها العدواني، لم تُحدث تغييرًا جوهريًا على الأرض. فالواقع الميداني بقي ثابتًا، وشدّة المواجهات حالت دون أي اختراق استراتيجي. بل على العكس، فإنّ تصاعد العنف لم يعد وسيلة فعّالة، وقد ينعكس سلبًا على الداخل الروسي إذا استمرّ من دون نتائج ملموسة.
- استحالة تغيير مسار الجبهة: حتى وإن تمكّن بوتين من السيطرة على بعض المناطق الصغيرة أو البلدات الحدودية، فلن يغيّر ذلك مسار الجبهة ولا مجريات الحرب. فالجيش الأوكراني بات أكثر خبرة وتنظيمًا، بدعم استخباراتي وتقني من الغرب، مما يجعل أي محاولة تقدّم روسي باهظة الكلفة وعقيمة عسكريًا. والتوازن القائم اليوم يبدو مستقرًا إلى حدّ يمنع موسكو من فرض أمر واقع جديد، لا بالتهديد ولا بالاحتلال التدريجي.
- قيود على التمرّد السياسي في وجه ترامب: على الرغم من كل ما يُقال عن استقلالية القرار الروسي، يدرك بوتين أنّه لا يستطيع الذهاب بعيدًا في التمرّد على إدارة ترامب، خصوصًا مع تصاعد التهديدات القادمة من واشنطن. فقد بدأ ترامب بتوجيه رسائل صارمة، بعدما تبيّن له أنّ الأوروبيين حسموا موقفهم لصالح دعم كييف، وأنهم لن يتراجعوا عن هذا الدعم، ليس بدافع التضامن فقط، بل لأنه أصبح جوهر الأمن القومي الأوروبي. ومن هنا، فإنّ ترامب – رغم حساباته الخاصة – لن يبتعد كثيرًا عن شركائه الأوروبيين، لأنه لا يستطيع تحمّل عزلة أميركية في ملف شديد الحساسية مثل أوكرانيا، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
- الصين… شريك غير موثوق: من ناحية أخرى، يبدو أنّ حلم بوتين بتشكيل جبهة موحّدة مع الصين ما زال بعيد المنال. فبرغم الصداقة المعلَنة بين الطرفين، ترفض بكين الاعتراف بالحرب الروسية على أوكرانيا، وتُبقي موقفها في منطقة رمادية حذرة. العرض العسكري الكبير الذي قدّمته الصين في الذكرى الثمانين للحرب العالمية الثانية حمل رسائل رمزية، لكنّه خلا من أي التزام عملي تجاه دعم موسكو. وبوتين يعلم جيّدًا أنّ الصين لن تدخل في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعًا عن مغامرته في أوكرانيا، خاصة وأنّ نصف أعضاء منظمة شنغهاي – التي يُفترض أنها داعمة – يُعتبرون حلفاء للغرب، ولا يؤيّدون الحرب الروسية.
- لا جبهة في كوريا الشمالية ولا في الهند: أما كوريا الشمالية، التي تُستَخدم إعلاميًا كورقة دعم لبوتين، فلا تشكّل جبهة فعلية؛ فدعمها محدود، رمزي في أحيان كثيرة، ولا يغيّر موازين القوى. وبالنسبة إلى الهند، فعلى الرغم من اللقاءات الثلاثية بين روسيا والصين والهند، فإنّ التباينات العميقة بين هذه الدول تحول دون قيام محور متماسك. حتى منظمة “البريكس” – التي كان يُفترض أن تكون منصّة بديلة للنظام المالي الغربي – أظهرت عجزها عن تحقيق إنجازات اقتصادية ملموسة تدعم موسكو في أزمتها.

اليوم، يقف الرئيس بوتين عند مفترق طرق خطير. أدوات القوة التي اعتمد عليها سابقًا لم تعد كافية لتغيير المعادلة: الجبهة العسكرية استنزفت موارده، الحلفاء متردّدون، والأعداء أكثر تماسكًا. أما داخليًا، فإنّ استمرار الحرب من دون نتائج، إلى جانب التدهور الاقتصادي والاجتماعي، يُنذر بانفجار محتمل قد يأتي من داخل النظام نفسه. ومع هذه المعطيات، يبقى السؤال: إلى متى يستطيع بوتين الصمود أمام واقع دولي يضيّق الخناق عليه من كل الجهات؟
أما السؤال الأعمق: هل يمكن أن تتجاوز الشراكة الصينية – الروسية حدودها الحالية لتتحوّل إلى حلف عسكري يضم إيران وكوريا الشمالية؟ أم أنّ قمة “شنغهاي” لن تمنح بوتين أكثر من منصّة لعقد اتفاقات اقتصادية، والاستفادة الإعلامية من ظهوره فيها ليؤكد أنّه غير معزول دوليًا، حيث يلتقي بالحلفاء ويوجّه الرسائل إلى الأعداء؟
واللافت أنّ الصين، في مناسبة عيد الاستقلال الأوكراني بتاريخ 24 آب/أغسطس الماضي، وبعد انقطاع دام أربع سنوات، وجّهت رسالة تهنئة إلى الشعب والقيادة في أوكرانيا. هذه الخطوة، التي سبقت قمة “شنغهاي” وحضور بوتين فيها، يمكن تفسيرها كرسالة توازن من بكين، تؤكد من خلالها أنّها لم تنحز بالكامل إلى سردية موسكو.
وهذا يعني أنّ بوتين لن يحقّق الكثير في هذه الرحلة، ولن يتمكّن من التأثير جوهريًا على الصين التي تضع مصالحها الاقتصادية فوق كل اعتبار، وتعرف جيدًا كيف توظّف كلًّا من الولايات المتحدة وأوروبا لصالحها.


