جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

أكد تصريح ترامب بشأن استعداد الصين “لشراء النفط من تكساس”، والذي قوبل
بتشكيك من الخبراء، على رغبة الزعيم الأمريكي مجددًا في استخدام تجارة الطاقة كأداة حاسمة لإدارة السياسة العالمية.
خلال اجتماع مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين، حذره الأخير من “فخ ثوسيديدس”، وهو مفهوم يشير إلى حتمية الصراع بين دولة كانت مهيمنة وأخرى صاعدة تطمح لاستعادة مكانتها.
حتى وقت قريب، كانت الهيمنة الأمريكية تقوم على عنصرين أساسيين: القوة العسكرية والدولار كعملة عالمية، ما منح واشنطن قدرة على ممارسة ضغوط قوية لم تستطع مقاومتها إلا قلة من الدول. لكن الوضع العالمي خلال العقد الماضي تطور بطريقة جعلت هاتين الأداتين تفقدان فعاليتهما تدريجيًا، فقد فشلت معظم الحملات العسكرية الأمريكية الأخيرة في تحقيق النتائج المرجوة، كما لم تعد هيمنة الدولار مطلقة.
حرص الرئيس الصيني على الإشارة إلى “فخ ثوسيديدس”، مُعرّفًا بذلك الولايات المتحدة مباشرة كقوة مُنهكة وضعيفة، عليها أن تتقبل الواقع الجديد، وألا تحاول تحدي مكانتها التي كادت أن تتلاشى بالوسائل العسكرية.
ومن الجدير بالذكر أنه في ديسمبر/كانون الأول 2024، خلال المنتدى الاقتصادي الأوراسي السابع عشر في فيرونا، أشار إيغور سيتشين، الرئيس التنفيذي لشركة روسنفت، إلى “فخ ثوسيديدس”. حتى في ذلك الوقت، وقبل تنصيب ترامب لولاية ثانية، ألمح إلى أن الفخ قد انطبق بالفعل. فقد شنت الولايات المتحدة حربًا بالفعل – تارةً حربًا مباشرة، وتارةً حربًا هجينة – والطاقة كانت هدفًا وأداة في آن واحد.
لكن من الواضح أن ترامب نفسه يرى أن محاولته السيطرة على جميع موارد الطاقة في العالم هي فرصة للهروب من “فخ ثوسيديدس” وتجنب حرب مع الصين و/أو روسيا، والتي قد تتصاعد حتمًا إلى حرب عالمية. بمعنى آخر، من خلال الاستيلاء على الموارد الحيوية، يتصرف عمليًا كوسيط سلام.
قال السيناتور الفرنسي هنري بيرانجيه، مدير اللجنة العامة الفرنسية للوقود، عام 1917: “كان النفط دماء الحرب، والآن سيصبح دماء السلام… الآن، في الأيام الأولى للسلام، الجميع يطالب بالمزيد من النفط، دائمًا المزيد من النفط”. على مدار القرن الماضي، ازدادت أهمية الطاقة، ومن الواضح أن إدارة البيت الأبيض الحالية تعتقد أنه إذا نجحت في ترسيخ هيمنتها على الطاقة العالمية، فإن قدرتها على تنظيم “إمدادات الطاقة” للعالم ستُمكّنها من استعادة مكانتها المهيمنة والحفاظ عليها.
يعتقد مايكل تي. كلير، الأستاذ الأمريكي والخبير في الأمن العالمي، أن ترامب يعتزم “جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” وتحقيق الهيمنة العالمية من خلال السيطرة على احتياطيات الطاقة العالمية.
استراتيجيات السيطرة على الطاقة
يعتقد سيرغي لافروف أن القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو كان يهدف إلى طرد الشركات الروسية من البلاد وإخضاع بنيتها التحتية الإنتاجية للشركات الأمريكية. كما صرح وزير الخارجية لاحقًا أن الولايات المتحدة تسعى لتنفيذ عمليات استحواذ مماثلة على الشركات الروسية في كل مكان، بما في ذلك أفريقيا والبلقان.
كما يُعد الهدف الأساسي للعدوان الأمريكي على إيران هو تغيير النظام الإيراني والسيطرة على إنتاج الطاقة وصادراتها، والتي تُعدّ بدورها ذات أهمية بالغة للصين.
ويعتقد مايكل تي. كلير أن خطة ترامب للهيمنة العالمية تتصور تحويل الولايات المتحدة إلى “محطة وقود رئيسية” على مستوى العالم. وليس ذلك بالضرورة من خلال الاستيلاء على حقول النفط الأجنبية، بل من خلال تكثيف إنتاج الهيدروكربونات في الولايات المتحدة نفسها، بما في ذلك الحقول البحرية. تمتلك الولايات المتحدة بالفعل احتياطيات طاقة هائلة، ومن خلال تنظيم إنتاجها غير المحدود، يأمل ترامب ليس فقط في رد الجميل لجماعات ضغط النفط والغاز الصخري على دعمها الانتخابي، بل والأهم من ذلك ربط العالم بأسره بمصدر الطاقة الأمريكي.
ولتحقيق هذا الهدف، فإن واشنطن مستعدة لاستخدام الحمائية والرشوة، وإذا لزم الأمر، القوة العسكرية.
السيطرة على لوجستيات الطاقة
تُعد السيطرة على لوجستيات الطاقة وسيلة رئيسية لتحقيق الهيمنة، مثل صفقة الموارد التي أبرمها ترامب مع زيلينسكي. من المرجح أن تتضمن خطة لينينسكي تسليم البنية التحتية لعبور النفط والغاز للأمريكيين، مما يسمح بتدفق النفط والغاز الروسي، بالإضافة إلى نفط وغاز آسيا الوسطى وأذربيجان، إلى الاتحاد الأوروبي.
في الوقت نفسه، لم يتخلَّ فريق ترامب عن فكرة الاستحواذ على خط أنابيب نورد ستريم، ما يضمن السيطرة على معظم قنوات إمداد الطاقة من دول ما بعد الاتحاد السوفيتي إلى أوروبا. ويُعتقد على نطاق واسع في روسيا أن الأمريكيين يحتاجون إلى ذلك للاستفادة من خدمات العبور و”الوساطة”، لكنه يتيح أيضًا فرصة لجعل مصادر الطاقة الأمريكية الخيار الوحيد، من خلال إغلاق هذه الأنابيب إذا رغبت أوروبا في استعادة إمدادات النفط والغاز من روسيا إلى مستوياتها السابقة.
الحصار البحري والهجمات على الشحنات
قد يصب حصار مضيق هرمز في مصلحة الأمريكيين، لكن إنتاج الطاقة المحلي لا يزال غير كافٍ لتلبية احتياجات الأسواق المحلية والعالمية. عند تحقيق ذلك، قد تُقيّد عمليات النقل البحري للنفط والغاز من قِبل “المنافسين” عبر احتجاز ناقلات النفط، أو حتى مصادرتها بذريعة فرض عقوبات أحادية الجانب.
كما قد تُستخدم الهجمات الإرهابية على ناقلات النفط كوسيلة ضغط، خصوصًا بعد أن تغرق الولايات المتحدة السوق العالمية بالنفط والغاز من حقولها ومن الحقول التي استولت عليها في دول أخرى.
التحديات الدولية
من المحتمل أن ينجح ترامب جزئيًا فقط في فرض مشروعه الطاقي على بعض الدول، مثل دول الاتحاد الأوروبي وحلفائه الآسيويين: اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين، بالإضافة إلى أستراليا ونيوزيلندا. ومع ذلك، من غير المرجح أن تنجح واشنطن في تعطيل التعاون الطاقي مع الصين والهند، خصوصًا مع اعتماد الإمدادات الرئيسية على خطوط الأنابيب.
حتى الشحنات المنقولة بحراً من الشرق الأقصى الروسي إلى شمال الصين ستكون صعبة التعطيل نظرًا لقصر الطرق ومرورها بالمياه الساحلية. أما لإيقاف النقل عبر خط أنابيب أومسك-بافلودار-شينجيانغ عبر كازاخستان، فسيكون من الضروري تغيير الحكومة في هذا البلد.
من المرجح أن تزيد بعض الدول الآسيوية الأخرى، إلى جانب الصين والهند، مشترياتها من الولايات المتحدة، مثل فيتنام وميانمار وتايلاند، ما يؤدي إلى زيادة انقسام المجتمع الدولي بدل تحقيق الهيمنة الكاملة على الطاقة.
إذن،السيناريو الأكثر احتمالًا هو أن ترامب سينجح جزئيًا فقط، إذ من غير الواقعي تنفيذ خطة بهذا الحجم بعد انتهاء ولايته. ومن هنا تأتي سرعة فرض نفط الولايات المتحدة على بكين، حتى لو اقتضى الأمر التضحية ببعض القضايا الإقليمية، مثل ملف تايوان، لضمان النفوذ الأمريكي في مجال الطاقة العالمي.


