الأكثر قراءة

ترامب ونتنياهو: وجهان لعملة واحدة؟ زعامة الأزمات بين الشعبوية والهيمنة

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د .عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث

في عالم يتّسم بتصاعد الأزمات وتراجع اليقين، برزت أنماط قيادية توظّف الاضطراب بوصفه موردًا للشرعية. وفي هذا السياق، يقدّم دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو نموذجين متقاربين في الأسلوب ومختلفين في الغاية: زعامة شعبوية شخصانية من جهة، وزعامة أمنية–أيديولوجية مُمأسسة من جهة أخرى. وبين التقاطع والافتراق، تكشف المقارنة بينهما عن تلاقي وظيفي في إدارة الأزمات، يقابله اختلاف في بعض الأهداف وحدود الفعل. كما تكشف ممارساتهما عن سمات قيادية تتسم بالثقة المفرطة، والنزعة إلى تركيز السلطة، وحضور قوي في الفضاء الإعلامي، بما يعزّز طابعهما الشخصاني. وإن تباينت مواقفهما في بعض اللحظات، فإن ذلك غالبًا ما يندرج ضمن تكتيكات سياسية أكثر منه اختلافًا بنيويًا في التوجهات.

أولاً: بناء الزعامة ومنطق التعطش للسلطة

صعد ترامب إلى رأس السلطة في الولايات المتحدة عبر خطاب شعبوي صدامي، قائم على ثنائية “الشعب” في مواجهة “النخب”، مستندًا إلى حضور إعلامي كثيف وشخصية استعراضية جعلت منه ظاهرة سياسية أكثر منه نتاجًا حزبيًا تقليديًا. وتجلّى ذلك بوضوح في رفضه نتائج الانتخابات الرئاسية للعام 2020، وتحريض أنصاره على الاحتجاج، وصولًا إلى اقتحام مبنى الكونغرس، في سابقة عكست استعدادًا لتجاوز الأعراف الديمقراطية عند تهديد موقعه السياسي. كما يواجه سلسلة من التهم والإجراءات القضائية المؤجلة المرتبطة بتلك المرحلة. في المقابل، بنى نتنياهو زعامته على ركيزتين أساسيتين: الأمن القومي والخبرة السياسية الطويلة، مقدّمًا نفسه بوصفه الضامن لاستقرار إسرائيل في بيئة إقليمية مضطربة.

ولا تقف المقارنة عند نمط الصعود، بل تمتد إلى منطق البقاء في السلطة، والتطلع، ولو على مستوى الخطاب، إلى تجاوز القيود الدستورية. فقد أظهر ترامب نزعة إلى تخطّي القواعد الديمقراطية عند تهديد موقعه، وقد وُجّهت إليه اتهامات جنائية على خلفية محاولاته تعطيل انتقال السلطة بعد انتخابات 2020، في سياق الأحداث التي قادت إلى اقتحام الكونغرس، قبل أن تُسقط هذه القضايا لاحقًا لأسباب قانونية تتصل بوضعه كرئيس في السلطة. وعلى خطٍ موازٍ، يواجه نتنياهو قضايا فساد ورشوة، ساعيًا إلى احتواء آثارها سياسيًا.

وفي هذا السياق، اكتسبت العلاقة بين الرجلين بُعدًا شخصيًا–سياسيًا؛ إذ أبدى ترامب تعاطفًا مع نتنياهو في مواجهة ملاحقته القضائية، وهاجم خصومه عند استمرار الضغط عليه، في حين ردّ الأخير هذا الدعم بمواءمة سياساته مع الأولويات الاستراتيجية والتكتيكية للإدارة الأميركية. وهكذا، بدا كل منهما معنيًا، بدرجات متفاوتة، بتسييس مؤسسات الدولة في إطار صراع على الشرعية.

ثانياً: إدارة الصراع وإعادة تشكيل الإقليم

يبرز التلاقي الأوضح بين ترامب ونتنياهو في طريقة إدارة الصراعات، ولا سيما في الملف الفلسطيني. فقد تعامل ترامب مع القضية الفلسطينية بمنطق صفقات براغماتية اختزلت الصراع في أبعاد اقتصادية، وهو ما تجلّى بوضوح في اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، والاعتراف بضم الجولان، في خطوات شكّلت تحولًا نوعيًا في الموقف الأميركي. كما طُرحت تصورات لتحويل غزة إلى “ريفيرا” إقليمية ضمن مشاريع عمرانية، ارتبطت بجدل واسع حول إعادة توزيع السكان. في المقابل، ينظر نتنياهو إلى القضية الفلسطينية بوصفها مسألة أمن قومي ووجودي، ما دفعه إلى الحصول على الدعم الأميركي، وتبنّي سياسة تقويضها بالقضاء التام على حماس وتدمير قطاع غزة على رؤوس أهلها، وإعادة ضم الضفة الغربية، من دون ضغط دولي فعّال.

وضمن هذا السياق، شارك ترامب نتنياهو في إعادة صياغة المشهد الإقليمي، عبر إضعاف فرص حل الدولتين، وتعطيل أي مسار دولي ضاغط على تل أبيب، سواء عبر مجلس الأمن أو المحكمة الجنائية الدولية، بالتوازي مع مواجهة القوى المناوئة، من حزب الله إلى النفوذ الإيراني.

كما يلتقي الطرفان في اعتبار إيران تهديدًا استراتيجيًا، وإن اختلفت أدوات المواجهة. فقد انتقد ترامب سياسات إدارة أوباما التي أفضت إلى الاتفاق النووي في العام 2015، مستجيبا لـمخاوف إسرائيل من برنامجها النووي، معتبرًا أنه لا تخدم المصالح الأميركية ولا الإسرائيلية، وسعى إلى إعادة فرض شروط جديدة عبر سياسة “الضغط الأقصى”. غير أنّ هذا التوجّه تداخل تدريجيًا مع الرؤية الإسرائيلية الأكثر تشددًا، التي تميل إلى إضعاف البنية الاستراتيجية لإيران، لتصبح إسرائيل القوة العظمي في المنطقة.

إلا أنّ هذه السياسات قادت الطرفين إلى انخراط متزايد في ساحات معقّدة، ولا سيما في إيران وفلسطين ولبنان، حيث اصطدمت حساباتهما بواقع ميداني أكثر تعقيدًا مما افترضاه. فقد استند جزء من هذه المقاربة إلى افتراض أن استهداف القيادات أو تكثيف الضغوط كفيل بإحداث تراجع سريع، غير أنّ ذلك لم يأخذ في الحسبان بما يكفي البعد الأيديولوجي والديني، ولا الامتداد الجغرافي والاجتماعي لهذه القوى.

ويظهر ذلك بوضوح في الحالة اللبنانية، كما في الحالة الإيرانية، حيث لم تؤدّ سياسات الضغط والتصعيد إلى الحسم المتوقع، بل إلى إعادة تموضع وتماسك نسبي. ومن ثمّ، تكشف هذه التجربة عن فجوة بين التصورات الاستراتيجية والوقائع الفعلية.

ثالثاً: البعد الدولي والنزعة التوسعية

على مستوى العلاقات الدولية، اتسمت سياسة ترامب بنزعة صدامية وتقويضية تجاه الحلفاء والخصوم؛ فقد أعاد تعريف العلاقات مع أوروبا وكندا بمنطق الكلفة، ودخل في مواجهة اقتصادية مع الصين، وشكّك في جدوى التحالفات التقليدية، بما في ذلك دور حلف الناتو. كما عبّرت سياساته عن نزعة إلى توظيف القوة الاقتصادية في إطار ضاغط، خصوصًا تجاه دول الخليج، من خلال مطالبته المتكررة بتحمّل كلفة الحماية الأميركية، وتشجيع تدفّق الاستثمارات نحو الولايات المتحدة.

في المقابل، انتهج نتنياهو مقاربة أكثر براغماتية، سعى من خلالها إلى موازنة علاقاته مع القوى الكبرى، فحافظ على صلاته بالولايات المتحدة، ونسّق مع روسيا، وتجنّب الصدام المباشر مع الصين، مستفيدًا من تعدد الشراكات لتعزيز موقع إسرائيل.

ويكشف هذا التباين عن اختلاف أعمق في الرؤية: فبينما مال ترامب إلى إرباك النظام الدولي، عمل نتنياهو على استثماره وإعادة توجيهه بما يخدم أولوياته. وينسحب هذا الاختلاف أيضًا على استخدام الأدوات الاقتصادية؛ إذ استخدمها ترامب كوسيلة ضغط، في حين وظّفها نتنياهو كأداة توسيع للنفوذ.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم التلاقي بين الرجلين من خلال نزعة توسعية مشتركة، وإن اختلفت مستوياتها: فبينما يسعى نتنياهو إلى ترسيخ هيمنة إقليمية وتعميق السيطرة على المجال الفلسطيني، في اتجاه يقترب في بعض تجلياته من تصور “إسرائيل الكبرى”، يعمل ترامب على تقديم نفسه كزعيم عالمي وصانع للسلام عبر إدارة الأزمات. وهكذا، تتخذ النزعة التوسعية شكلًا إقليميًا عمليًا لدى الأول، وعالميًا رمزيًا لدى الثاني.

الاستنتاج

لا تقف المقارنة بين ترامب ونتنياهو عند حدود التشابه في الأسلوب، بل تكشف عن نمطين من القيادة يعيدان توظيف الأزمات بوصفها أداة لإعادة إنتاج السلطة. فكلاهما لا يكتفي بإدارة التوترات، بل يسهم في تغذيتها بما يعزّز موقعه السياسي. غير أنّ الفارق الجوهري يكمن في طبيعة المشروع: فترامب يجسّد شعبوية ظرفية توظّف الأزمة لتحقيق مكاسب آنية، فيما يمثل نتنياهو مشروعًا استراتيجيًا متدرجًا لإعادة تشكيل الإقليم.

وتُظهر التجربة أنّ هذا التلاقي لم يكن عابرًا، بل ساهم في إعادة رسم ملامح الصراع، من خلال الجمع بين غطاء دولي وسياسات ميدانية متقدمة. غير أنّ حدوده تكشّفت مع تعقيد الواقع الإقليمي، حيث لم ينجح التصعيد في تحقيق الحسم.

وعليه، فإن ما يجمع بين الرجلين يعكس تحوّلًا أوسع في أنماط القيادة، حيث تغدو الأزمة أداة حكم. وبين زعامة توظّف الأزمة لانتزاع الصفقة، وأخرى تستثمرها لإعادة تشكيل الواقع، تتبدى حدود القوة حين تواجه تعقيد الجغرافيا وصلابة البُنى الاجتماعية.

https://hura7.com/?p=76414

الأكثر قراءة