الأكثر قراءة

ترامب يهتم بالأزمة الاقتصادية العالمية وليس بإيران

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

إن تصاعد التوتر في العلاقات مع إيران لا يرتبط بإيران وحدها، بل يتصل بالرغبة في التأثير على إمدادات النفط الفعلية، وما يترتب على ذلك من تداعيات تمتد إلى النظام المالي العالمي.

ويتساءل مؤيدو الخيار العسكري، حتى من لا يؤيدون الولايات المتحدة، عن سبب عدم لجوء واشنطن، بما تملكه من أسطول قوي ومجموعات حاملات طائرات ومقاتلات من الجيل الخامس وغيرها من القدرات العسكرية المتقدمة، إلى السيطرة على مضيق هرمز وحسم الأمر.

لكن الإجابة تكمن في جانبين: الأول أن الولايات المتحدة لا تملك القدرة على تحقيق ذلك بصورة مضمونة، والثاني أنها لا ترغب في تحمل تبعات هذه الخطوة.

ترامب وثمن عبور المضيق

قبل أيام، أعلن دونالد ترامب أن الولايات المتحدة ستؤمّن خروج السفن من الخليج الفارسي مقابل مبالغ مالية، وقد أُشير إلى أن هذه المبالغ قد تصل إلى نحو 20% من قيمة الشحنة. إلا أنه عاد في اليوم التالي، كعادته في تغيير مواقفه، ليطرح صيغة أخرى تقوم على حصول الولايات المتحدة على “استثمارات ضخمة” من دول الخليج بدلاً من الرسوم المباشرة.

أما السفن الإيرانية و”حلفاء إيران” فستبقى، وفقاً لهذا الطرح، تحت الحصار داخل الخليج. ورغم أن هذا الموقف يبدو تهديدياً من الناحية السياسية، فإن تطبيقه عملياً يواجه عقبات كبيرة، مما يجعل تنفيذه أمراً بالغ الصعوبة.

محاصرة المضيق بالسلاح المتطور

تُعد مجموعة حاملة الطائرات مطاراً عائماً في مركزه، تحيط به شبكة من الطرادات والمدمرات والغواصات المرافقة. وتتولى سفن الحماية رصد التهديدات المحتملة في الجو والبحر وتحت الماء، إضافة إلى توفير نظام دفاع متعدد الطبقات. كما تضم المجموعة عادة سفن إمداد وناقلات وقود، وتستفيد من قدرات الاستطلاع والاستخبارات الفضائية.

لكن القوة التي كانت تثير الرعب منذ الحرب العالمية الثانية أصبحت اليوم أقل قدرة على فرض هيبتها، خصوصاً عند استخدامها بالقرب من السواحل وليس في عرض البحر. فهذه التشكيلات البحرية قد تواجه هجمات واسعة باستخدام مئات أو حتى آلاف الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة ومن أنواع مختلفة. ولا يعتمد هذا الأسلوب بالضرورة على إحداث خسائر كبيرة في الضربة الأولى، بل يهدف أساساً إلى استنزاف أنظمة الدفاع الجوي وإرباكها.

تراقب طائرات الاستطلاع المسيّرة تطورات المواجهة، وعندما تظهر محدودية صواريخ الاعتراض، تبدأ المرحلة التالية باستخدام الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، وربما الأسلحة فرط الصوتية التي تتميز بصعوبة اعتراضها.

سيناريو الحرب الحالية

يبدأ الهجوم باستهداف مدارج الطيران، بهدف تعطيل قدرة القاعدة الجوية على إطلاق الطائرات أو استقبالها. وفي مثل هذه الظروف، يصبح إدخال السفن إلى مضيق هرمز عملية شديدة الخطورة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بحاملة طائرات ضخمة، فهي تمثل في هذا العصر ما كانت تمثله السفن الحربية العملاقة في بدايات القرن العشرين. لهذا السبب تضطر الولايات المتحدة حالياً إلى إبقاء مجموعات حاملات الطائرات الضاربة بعيدة عن السواحل الإيرانية، مع تنفيذ عمليات محدودة أحياناً بواسطة سفن أصغر حجماً وأكثر قدرة على المناورة.

يمكن الإشارة إلى أسلوب عمل الحرس الثوري الإيراني ضد السفن المدنية التي تمر في الخليج من دون تنسيق مع إيران. فالأمر لا يرتبط بوجود موقع واحد تُطلق منه الصواريخ على الناقلات، بل إن الساحل الإيراني للخليج يتميز بسلسلة من الجبال المرتفعة التي تحتوي على العديد من الكهوف والمواقع المخفية القادرة على توفير الحماية من الاستطلاع الجوي والأقمار الصناعية. وتتحرك مجموعات متنقلة على امتداد ساحل يتجاوز ألف كيلومتر، مستخدمة الطائرات المسيّرة والزوارق غير المأهولة. وتعمل هذه الوحدات بدرجة عالية من الاستقلالية، مع تقليل الاتصالات بالمركز لتجنب احتمالات اكتشافها واستهدافها.

تأثير الضربات الأمريكية على إيران

يمكن انتقاد إيران بسبب انتهاك قواعد القانون البحري، إلا أن هذه القواعد نفسها تعرضت للتقويض في الفترة الأخيرة من قبل الولايات المتحدة، ولذلك لا يثير الغرب هذا الموضوع.

من هنا يبرز السؤال: إذا كانت الولايات المتحدة غير قادرة على إزالة الحصار الإيراني، فهل تستطيع فرض حصارها الخاص المناهض لإيران، والذي يحمل أيضاً بُعداً مرتبطاً بمواجهة الصين؟ تحاول واشنطن اعتراض السفن في المياه الدولية، غير أن نتائج هذه الخطوة تبقى غير مضمونة. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يخاطر أي طرف بشكل كبير، الأمر الذي قد يقود في النهاية إلى إغلاق المضيق من الجانبين.

يكمن الاختلاف بين الطرفين أيضاً في أن الأسطول الأمريكي، حتى في حال عدم مشاركته في عمليات واسعة في المحيط الهندي، يستهلك موارد ضخمة. فالحفاظ على مجموعة حاملة طائرات في حالة جاهزية قتالية يكلف ما بين مرة ونصف ومرتين أكثر من إبقائها في وضعها الاعتيادي عندما تكون السفن في الموانئ أو بالقرب منها. وهذه الأعباء لا يمكن تحملها إلى ما لا نهاية.

إذا كان الانسحاب سيحدث في نهاية المطاف، فلماذا لا تغادر الولايات المتحدة الآن؟ لقد واجهت واشنطن هزائم وإهانات أكبر، كما حدث في حرب فيتنام. فلماذا يستمر هذا الصراع؟ فتح الخليج وإغلاقه، ومفاوضات توصف بأنها “تسير جيداً” لكنها تنتهي في كل مرة بنتائج سلبية. في النهاية، سيعود الأسطول الأمريكي يوماً ما إلى الوطن عندما ينشغل الرأي العام بقضية مختلفة تماماً، وهي الأزمة الاقتصادية. فوجوده في المنطقة يرتبط، ضمن هذا التحليل، بالمساهمة في خلق الظروف التي قد تؤدي إلى هذه الأزمة.

إمكانية نجاح إغلاق المضيق

إن معنى إغلاق مضيق هرمز بالنسبة للولايات المتحدة يكمن في عملية الإغلاق نفسها، وليس فقط في القرار بحد ذاته. فالخليج الفارسي يمثل مصدراً أساسياً لمنظومة النفط والدولار. وقد بدأ ترامب تغيير هذه المنظومة عندما أهان ولي العهد السعودي في منتدى استثماري في ميامي، وهو يواصل اليوم التحرك بالطريقة نفسها.

فمن دون صادرات النفط الفعلية لا توجد أرباح لدى الملكيات الخليجية، ومن دون هذه الأرباح لا يستمر تدفق الأموال إلى الولايات المتحدة. كما أن غياب النفط الفعلي يحدّ من تجارة النفط الورقي والمضاربات المرتبطة به، ويقلل من الأموال المتاحة لشراء السندات، في وقت ارتفعت فيه تكلفة سداد الديون الأمريكية إلى مستويات قياسية. فإن البنية التي بناها هنري كيسنجر وآخرون في العقود الماضية بدأت بالانهيار، كما أن العولمة بصورتها الحالية استنفدت قدرتها على الاستمرار.

لقد اعتادت الولايات المتحدة على “إطلاق النار على الخيول المنهكة”، أي التخلي عن المشاريع والترتيبات التي انتهى دورها رغم صعوبة ذلك. وقد جاءت إدارة ترامب بهذه المهمة، مستخدمة أدوات متعددة، منها فرض الرسوم الجمركية، وتشديد العقوبات، والضغط على تدفقات النفط، بما في ذلك الضغط عبر مضيق هرمز.

وفي النهاية، فإن فترات التوتر مع إيران لا تتعلق بإيران وحدها، بل ترتبط بالرغبة في الحد من إمدادات النفط الفعلية والتأثير في النظام المالي العالمي. ومن هنا يواصل ترامب البحث عن أدوات جديدة، بينما قد تتسارع الأزمة الاقتصادية العالمية وربما تبدأ ملامحها خلال هذا العام.

https://hura7.com/?p=82126

الأكثر قراءة