جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
تسعى تركيا إلى تعزيز حضورها ودورها في التطورات المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، مستفيدة من موقعها الجغرافي والاستراتيجي ودورها المحوري في منطقة البحر الأسود. وفي هذا السياق، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بلاده قدمت إلى كل من روسيا وأوكرانيا مقترحات تهدف إلى وقف العمليات العسكرية في البحر الأسود، انطلاقًا من القلق التركي المتزايد إزاء المخاطر التي باتت تهدد حركة الملاحة والسفن التجارية في المنطقة.
دور تركيا القادم في المنطقة
يعكس هذا التحرك رغبة أنقرة في توظيف موقعها وعلاقاتها مع طرفي النزاع للاضطلاع بدور الوسيط القادر على طرح المبادرات والبحث عن مساحات مشتركة بين الأطراف المتصارعة. وقد أوضح فيدان أن استمرار الهجمات في البحر الأسود أصبح مصدر قلق لتركيا، خصوصًا في ظل تعرض سفن مرتبطة بها لهجمات متكررة. ولذلك دفعت التطورات الأمنية أنقرة إلى التواصل مع موسكو وكييف من أجل التوصل إلى تفاهم يحد من استهداف السفن غير العسكرية ويضمن قدرًا أكبر من أمن الملاحة.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة الاستراتيجية التي تحتلها تركيا في البحر الأسود، إذ تتحكم في مضيقي البوسفور والدردنيل، اللذين يشكلان منفذًا بحريًا أساسيًا بين البحر الأسود والبحر المتوسط. وعلى الرغم من أن اتفاقية مونترو لعام 1936 تفرض قواعد محددة لتنظيم حركة الملاحة عبر المضائق، فإن الموقع الجغرافي لتركيا يمنحها أهمية استراتيجية كبيرة في إدارة حركة المرور البحري والتعامل مع التطورات الأمنية في المنطقة.
الموقف التركي الرسمي ودور وزارة الخارجية
ظهرت عقب تصريحات وزير الخارجية التركي تقارير تحدثت عن احتمال إغلاق مضيق البوسفور أمام السفن الروسية، إلا أن هذه التقارير سرعان ما جرى نفيها. ويكشف ذلك عن حساسية الدور التركي في المنطقة، وعن حجم الاهتمام الدولي بأي خطوة يمكن أن تتخذها أنقرة تجاه حركة الملاحة الروسية. فتركيا لا ترغب في الانتقال من دور الوسيط إلى طرف مباشر في الصراع، وإنما تسعى إلى المحافظة على هامش من الحركة يسمح لها بالتواصل مع مختلف الأطراف، والدفاع في الوقت نفسه عن مصالحها الوطنية والأمنية.
ويأتي التحرك التركي في ظل تصاعد المخاطر التي تواجه السفن التجارية في البحر الأسود. فقد تعرضت خلال الفترة الأخيرة سفن مرتبطة بتركيا لهجمات أدت إلى أضرار مادية وإصابات وخسائر بشرية، الأمر الذي جعل أمن الملاحة البحرية قضية ذات أهمية مباشرة بالنسبة إلى أنقرة. ومن هنا يمكن فهم المبادرة التركية باعتبارها استجابة لمصالح أمنية واقتصادية، إلى جانب كونها محاولة لتعزيز الدور التركي في إدارة أحد أهم الملفات الإقليمية والدولية.
لعب دور مجددًا في الأزمة الروسية الأوكرانية
لا ينفصل هذا التحرك عن السياسة التركية الأوسع تجاه الحرب الروسية الأوكرانية. فقد حاولت أنقرة خلال السنوات الماضية الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع موسكو وكييف، وهو ما منحها قدرة نسبية على ممارسة الوساطة في عدد من الملفات المرتبطة بالنزاع. وتقوم هذه السياسة على الجمع بين المصالح التركية والعلاقات مع الأطراف المختلفة، بما يسمح لتركيا بالحفاظ على موقعها كفاعل إقليمي مؤثر دون الانخراط بصورة مباشرة في الحرب.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الدبلوماسية التركية باعتبارها نموذجًا لاستخدام القوة الناعمة في إدارة الأزمات الدولية. فتركيا تعتمد على الحوار والوساطة والتفاوض والتواصل السياسي من أجل التأثير في أطراف النزاع، بدل الاقتصار على أدوات الضغط المباشر. كما تسعى من خلال هذا الدور إلى تعزيز صورتها كدولة قادرة على التواصل مع الأطراف المتعارضة والمساهمة في إيجاد حلول للأزمات الإقليمية.
ويكتسب الإعلام أهمية متزايدة في دعم هذا الدور الدبلوماسي، إذ أصبحت تصريحات المسؤولين الأتراك والمواقف الرسمية التي تنقلها وسائل الإعلام والمنصات الرقمية جزءًا من عملية إدارة الرسائل السياسية. فالإعلام لا يقتصر هنا على نقل المعلومات، وإنما يسهم في إبراز المبادرات التركية، وتوضيح مواقفها، والتأثير في الرأي العام، وإظهار قدرتها على التحرك في القضايا الدولية.
تركيا والاعتماد على القوة الناعمة في إعادة النفوذ
ومن هذا المنظور، تتداخل الدبلوماسية الشبكية والإعلام والقوة الناعمة في بناء النفوذ التركي. فالمواقف التي تعلنها القيادة السياسية والدبلوماسية عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية تصل إلى جمهور واسع يتجاوز الأطراف الرسمية في النزاع، لتشمل المجتمعات والرأي العام الدولي. وبذلك يتحول الخطاب الدبلوماسي إلى وسيلة لبناء الصورة الدولية للدولة وتعزيز الثقة بدورها ومواقفها.
كما يرتبط التحرك التركي في البحر الأسود بتطورات أوسع في علاقاتها مع روسيا والملفات الإقليمية المحيطة بها. وتبرز في هذا السياق مسألة الوجود العسكري الروسي في سوريا، التي كانت لفترة طويلة إحدى القضايا التي شهدت تداخلًا في المصالح التركية والروسية. ومع التحولات السياسية التي شهدتها سوريا، أُعيد النظر في طبيعة الوجود الروسي هناك، وهو ما يعكس تعقيد شبكة العلاقات بين موسكو وأنقرة وتداخل الملفات الإقليمية في حسابات الدولتين.
وتكشف هذه التطورات مجتمعة أن السياسة التركية لا تتحرك ضمن ملف منفرد، وإنما ضمن شبكة واسعة من المصالح والاعتبارات الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية. فالبحر الأسود وسوريا والمضائق والعلاقات مع روسيا وأوكرانيا تمثل ملفات مترابطة ضمن استراتيجية تركية تسعى إلى الحفاظ على موقعها كقوة إقليمية قادرة على التأثير في محيطها.
استراتيجية تركيا في التعامل مع الأزمة
تظهر الحالة التركية بوصفها نموذجًا للتفاعل بين الدبلوماسية التقليدية والدبلوماسية الشبكية والقوة الناعمة. فتركيا تستخدم موقعها الجغرافي وعلاقاتها السياسية، إلى جانب الإعلام والخطاب الدبلوماسي، لتعزيز قدرتها على الوساطة والتأثير. ولا تقتصر أهمية هذا الدور على حماية المصالح التركية، وإنما تمتد إلى محاولة تعزيز مكانة أنقرة في إدارة الأزمات الدولية والمساهمة في تشكيل التوازنات الإقليمية.
وعليه، فإن المبادرة التركية المتعلقة بالبحر الأسود لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد دعوة إلى وقف العمليات العسكرية، بل باعتبارها جزءًا من سياسة أوسع تهدف إلى توظيف الحوار والإعلام والوساطة والموقع الاستراتيجي لبناء النفوذ وتحقيق المصالح. وفي هذا الإطار، يصبح الإعلام الدبلوماسي أداة مكملة للقوة الناعمة، بينما يوفر الموقع الجغرافي والقدرات السياسية والاستراتيجية عناصر داعمة للقوة الصلبة، بما يسمح لتركيا بتوظيف مزيج من الأدوات في إدارة علاقاتها الدولية وتعزيز تأثيرها في البيئة الإقليمية والدولية.


