محمد سعد عبد اللطيف
جريدة الحرة ـ بيروت
في مشهد عبثي يفوق التصور، خرجت حشود في مناطق سورية تحتفل برفع بعض العقوبات الاقتصادية الغربية، لا لأن العدالة قد انتصرت أو الظلم انقشع، بل لأن “الجلاد” قرر أن يسمح بمرور الطعام. وكأن من حجب الهواء عن رئة شعبٍ لأعوام، يصبح اليوم صاحب فضل لمجرد أنه سمح بشهيقٍ مؤقت.
منذ سنوات، تحولت العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا إلى وسيلة لتجويع المجتمع لا النظام. سُحقت الطبقة الوسطى، وتآكلت القيم، وانهارت مؤسسات الدولة والمجتمع معاً. لم يكن الهدف إصلاحاً أو ضغطاً سياسياً بل هندسة انهيار داخلي يُسهل لاحقاً فرض نموذج خارجي، يعيد إنتاج التبعية السياسية والثقافية.
ما يحدث في سوريا اليوم، يذكرنا بتجربة العراق في التسعينيات: ثلاث عشرة سنة من الحصار الذي قضى على الطفولة والبنية التحتية، وكان تمهيداً لانهيار الدولة عند أول ضربة غزو. الحصار إذاً ليس وسيلة ضغط، بل مرحلة أولى في مسلسل التفكيك.
يبدو أن النموذج الروسي الشهير لعالم الفسيولوجيا إيفان بافلوف، قد وجد طريقه إلى مختبرات السياسة الدولية. فكما كانت كلابه تسيل لعابها كلما قُرع الجرس إيذاناً بالطعام، هكذا باتت الشعوب تنتظر “جرس رفع العقوبات” بشغف، وتفرح وكأن الكرامة قد عادت، بينما كل ما حدث هو مجرد إلقاء بفتات الطعام.
تم ترويض الضحية لتشكر جلادها. وتحوّلت أبسط حقوق الإنسان ــ الغذاء، الدواء، الكهرباء، الدفء ــ إلى جوائز تمنحها القوى الكبرى متى شاءت، وتمنعها متى شاءت. وما دام الشعب قد قُطعت أنفاسه طويلاً، فهو الآن يشكر من أعاد له شهيقاً واحداً.
لا أحد يُنكر حق الناس في الفرح، لكن هذا الفرح، حين يأتي في سياق القهر والتجويع، يصبح نوعاً من الخضوع. لا يفرح الجريح والقاتل على السواء، ولا يمكن مساواة فرح العامل الشريف بفرح المقاول الفاسد. الفرح هنا ليس مجرد شعور بل موقف، يعكس وعياً أو غيابه.
أن يحتفل الناس بوصول الطعام، وأن تُرفَع الأعلام احتفالًا بانفراجٍ مؤقت، هو انتصار لسياسات الحصار لا كسراً لها. هو إعلان بأن الترويض نجح، وبأن القيم الأخلاقية تفككت. الوطن لم يعد يعني الحرية، بل مائدة طعام مؤقتة.
لقد غابت الأسئلة الحقيقية: لماذا فُرض الحصار أصلاً على شعب أعزل؟ من سيُحاسب على من ماتوا جوعاً ومرضاً وإذلالاً؟ من حوّل سوريا إلى ساحة لتجارب الهندسة الجيوسياسية؟ والأهم، كيف تحوّل القاتل إلى “فاعل خير” تشكره الضحايا؟
إنها لحظة تستدعي وعياً سياسياً وفلسفياً عميقاً. فالشعوب لا تُقاس قدرتها على الصمود فقط، بل على الرفض. والسكوت عن تحويل الحق إلى منّة، والكرامة إلى صدقة، هو شراكة في الجريمة.
رفع العقوبات، مهما بدا مريحاً للحظة، لا يعيد الكرامة ولا يداوي الجراح. هو مجرد خطوة في مسلسل طويل من الإخضاع. أجراس كثيرة تُقرع اليوم في شرق الأبيض المتوسط، لا للاحتفال، بل للتحذير من انتصار منطق الترويض على منطق المقاومة.
لذلك، فلننتبه: الحصار لا ينكسر حين يُفتح الباب، بل حين يُرفض القيد. والمائدة التي تُفرش اليوم هي نفسها التي بُنيت على أشلاء من لم يجدوا مكاناً فيها!


