الأكثر قراءة

تصاعد الهجمات الهجينة تدفع أوروبا إلى تطوير منظومة دفاع مشتركة

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

تعزز الهجمات السيبرانية، وأعمال التخريب، وعمليات المراقبة بالطائرات المسيّرة، الحاجة إلى إعادة النظر في آليات حماية البنية التحتية الحيوية في أوروبا. وفي ظل تصاعد التهديدات الهجينة، تتزايد الدعوات إلى شراكة أوثق بين الحكومات والقطاع الخاص لتعزيز تبادل المعلومات ورفع مستوى الجاهزية. ويرى خبراء أن هذا التعاون أصبح ضرورة أمنية لمواجهة المخاطر المتنامية التي تستهدف الشركات والمرافق الحيوية.

الشركات الأوروبية أصبحت هدفًا للهجمات التخريبية

من الهجمات السيبرانية إلى عمليات الحرق العمد والمراقبة بالطائرات المسيّرة، أصبحت الشركات الأوروبية في الوقت الراهن هدفًا لمختلف أشكال الهجمات التخريبية. وتعد هذه الشركات عنصرًا أساسيًا في استمرارية عمل الدول اليومية، وربما يكون ذلك هو السبب الذي يجعلها هدفًا لهذه الهجمات.

ومع ذلك، لا يجري في معظم الدول تبادل منتظم للمعلومات المتعلقة بالتهديدات بين قطاع الأعمال والحكومات. ومع تزايد المخاطر على المستوى العالمي، يمثل هذا الواقع فرصة ضائعة. إلا أن لجنة سويدية أُنشئت حديثًا توضح كيف يمكن تحقيق تعاون فعال دون تعقيدات كبيرة أو تكاليف مرتفعة.

في أبريل من العام 2026، أفادت منظمة “أوفشور إنرجيز يو كيه” بوجود “رصد لطائرات مسيّرة بالقرب من منشآت الطاقة البحرية”. وقال غراهام سكينر، مدير الصحة والسلامة للبنية التحتية البحرية في المنظمة، لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”: “تقع منصاتنا على بعد 100 إلى 150 ميلًا وسط البحر، ولذلك لا يكون لدينا عادة جيران أو زوار، إلا إذا كان لديهم سبب وجيه للغاية”.

وأضاف: “عندما يرصد أفراد الطواقم أضواء في السماء أو أجسامًا تتحرك أو أي نشاط مريب، يصبح من الواضح أنه أمر غير طبيعي. وقد يكون الهدف كشف نقاط الضعف أو اختبار طريقة استجابتنا، وربما مجرد تصوير ما يجري”.

تنامي التهديدات على البنية التحتية البحرية الحيوية

يثير تحليق الطائرات المسيّرة حول البنية التحتية البحرية الحيوية قلقًا بالغًا، خاصة أن الأمر لم يعد حادثًا منفردًا أو ظاهرة تقتصر على قطاع النفط والغاز. ففي الأشهر الأخيرة، رُصدت طائرات مسيّرة تحلق فوق منشآت برية عدة، من بينها مصانع للأسلحة. كما تعرضت العاصمة الألمانية برلين، في أحد أبرد أيام يناير من العام 2026، لعملية تخريب استهدفت كابلات الكهرباء، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء والتدفئة وخدمات الإنترنت عن نحو 100 ألف شخص لأيام عدة.

شهدت أوروبا كذلك هجمات حرق استهدفت مستودعات ومراكز تسوق وحتى شركات دفاعية، فضلًا عن محاولات لإسقاط طائرات ركاب باستخدام طرود مفخخة، وهجمات سيبرانية متواصلة، وسلسلة من الحوادث المثيرة للشبهات التي طالت السفن والكابلات البحرية.

في 15 يونيو من العام 2026، وجه الادعاء العام الفنلندي اتهامات إلى قبطان سفينة “فيتبورغ” وأحد ضباطها بتهم التخريب الجسيم والإضرار الجسيم بشبكات الاتصالات، بعدما اصطدمت السفينة بكابلات في خليج فنلندا في نهاية ديسمبر من العام 2025. لا ينبغي أن يشكل تعرض الشركات لهذه الموجة من الأنشطة التخريبية مفاجأة، إذ تؤدي الشركات دورًا لا غنى عنه في استمرار الحياة اليومية داخل المجتمعات، ما يجعلها أهدافًا جذابة وضعيفة في الوقت نفسه، بينما لا تستطيع الشرطة أو القوات المسلحة حماية منشآتها على مدار الساعة.

الهجمات الروسية أحد أبرز مصادر القلق

أظهر الاستطلاع السنوي للمخاطر الذي أعدته شركة الوساطة التأمينية العالمية “ويليس تاورز واتسون” أن 26% من الشركات الأوروبية تعتبر الهجمات الروسية في المنطقة الرمادية أحد أبرز مصادر القلق.

وعند سؤال هذه الشركات عن أكثر أشكال هذه الهجمات إثارة للمخاوف، أشار 65% إلى الهجمات على البنية التحتية، و61% إلى الإكراه أو الانتقام الاقتصادي، و56% إلى الهجمات السيبرانية التي ترعاها دول، و39% إلى القيود العدائية على الصادرات، و37% إلى الاضطرابات البحرية مثل الهجمات على السفن أو إغلاق الموانئ، و32% إلى التهديدات التي تستهدف كبار المسؤولين التنفيذيين، مثل الاحتجاز التعسفي أو محاولات الاغتيال.

ورغم ذلك، لا تمتلك الشركات إمكانية الوصول إلى الكم الهائل من المعلومات التي تجمعها أجهزة الاستخبارات الحكومية. وفي المقابل، لا تستطيع أجهزة الاستخبارات الإحاطة بكل ما تعرفه الشركات. ولو تمكن الطرفان من تبادل المعلومات بصورة منتظمة، ضمن الحدود التي تفرضها سرية المعلومات، لاستفاد كلاهما. كما سيكون بإمكانهما مناقشة آليات التعاون لضمان استمرار عمل الشركات في حال تعرضها لهجمات في المنطقة الرمادية أو حتى في حال اندلاع حرب.

النوذج البريطاني والسويدي والألماني للتصدي للهجمات الهجينة

درست الحكومة البريطانية قبل عدة أعوام، إطلاق نموذج مماثل لهذا التعاون، وشاركت الكاتبة في هذا المشروع. ورغم أن المبادرة لم تر النور في نهاية المطاف، فإن الحاجة إلى هذا النوع من التعاون أصبحت أكبر بكثير اليوم. وفي هذا السياق، أطلقت الحكومة السويدية الآن “مجلس الأعمال” الذي يؤدي مهامًا مشابهة.

ويضم المجلس الرؤساء التنفيذيين لأهم الشركات السويدية، ويترأسه بصورة مشتركة قائد القوات المسلحة السويدية والمدير العام لوكالة الدفاع المدني والمرونة الوطنية. ويعمل المجلس بوصفه مركزًا لتنسيق الأمن القومي بين الحكومة والقطاع الخاص.

يقول قائد القوات المسلحة السويدية الجنرال مايكل كلايسون عند إطلاق المجلس هذا الربيع: “تعتمد قدرة السويد الدفاعية على قوة المجتمع بأكمله. ومن خلال جمع كبار ممثلي مجتمع الأعمال، نعزز قدرتنا المشتركة على مواجهة الأزمات ورفع مستوى الجاهزية، وفي نهاية المطاف مواجهة الحرب.”

وبطبيعة الحال، لن يحل المجلس جميع المشكلات التي قد تواجهها أي دولة تتعرض لاستهداف من دولة معادية، فهو سيجتمع مرتين فقط في العام، مع إمكانية عقد اجتماعات إضافية إذا تدهور الوضع الجيوسياسي. غير أن الفكرة الأساسية تتمثل في عدم انتظار الحلول المثالية. فمجلس الأعمال السويدي لا يكلف الدولة شيئًا، لكنه يجمع الخبرات والعقول القيادية لأبرز الشخصيات الاقتصادية في البلاد، وهو ما يمثل قيمة كبيرة.

أنشأت ألمانيا مؤخرًا مركزًا للدفاع ضد التهديدات الهجينة. ورغم أنه لن يتمكن من منع جميع الهجمات، فإن وجود مثل هذا المركز يظل أفضل بكثير من غيابه. وفي مواجهة الهجمات وأعمال التخريب ذات الدوافع الجيوسياسية، تمتلك الدول اليوم فرصة حقيقية للابتكار في أساليب الحماية والتنسيق. ومن المرجح أن تبدي الشركات استعدادًا للمشاركة في هذه المبادرات الجديدة، لأنها الطرف الذي يواجه هذه التهديدات بصورة مباشرة أكثر من غيره.

https://hura7.com/?p=80856

 

 

الأكثر قراءة