جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
خاص ـ يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز الالتزام بالمساعدة العسكرية المتبادلة، وهذه رسالة موجهة إلى الرئيس الامريكي دونالد ترامب. يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرس ليس فقط ضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة، بل كذلك تعليق عضوية إسبانيا في حلف الناتو.
منذ بداية حرب إيران في فبراير من العام 2026، انتقد ترامب بشدة حلفاء الناتو الأوروبيين، متهمًا إياهم بالتقصير في دعم الولايات المتحدة. إضافة إلى ذلك، تقع جزيرة قبرص على مقربة من الشرق الأوسط، ولكن كونها غير عضو في الناتو، فإنها ستعتمد على مساعدات الاتحاد الأوروبي في حال نشوب حرب. وبالتالي، فإن الاتحاد الأوروبي عرضة للخطر من جوانب عديدة.
توسيع نطاق بند المساعدة المتبادلة
لذا، يسعى الاتحاد الأوروبي الآن إلى مواجهة جميع المعتدين المحتملين على دوله الأعضاء. وسيتم توسيع نطاق بند المساعدة المتبادلة الحالي. وصرح الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليديس، الذي استضاف الاجتماع الأوروبي خلال أبريل من العام 2026: “اتفقنا على أن تضع المفوضية خطة لكيفية ردنا في حال قيام دولة عضو بتفعيل المادة 42.7”.
وهناك عدد من التساؤلات التي تحتاج إلى إجابات. أوضح الاتحاد الأوروبي في يناير من العام 2026 أن ألمانيا وبقية الدول الأعضاء فيه ستضطر إلى تقديم المساعدة للدنمارك في حال نشوب صراع. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعرب مرارًا عن رغبته في ضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة. ويواجه هذا الأمر معارضة شديدة من الجزيرة والحكومة الدنماركية، فضلًا عن معارضة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
صياغة أقوى من تلك المستخدمة في حلف الناتو
تنص المادة 42.7 على صيغة أكثر صرامة من المادة 5 من معاهدة الناتو، التي تترك لأعضاء الحلف حرية تحديد كيفية تقديم العون للحلفاء في حال وقوع هجوم. ولا يمكن للدنمارك حتى الاستناد إلى المادة 5 من معاهدة الناتو في حال تهديد غرينلاند من الولايات المتحدة، لأن ذلك يتطلب موافقة الولايات المتحدة كذلك.
لم يُفعّل بند المساعدة المتبادلة في الاتحاد الأوروبي إلا مرة واحدة، عقب الهجمات الإرهابيةالتي شهدتها باريس في العام 2015. وقد ازداد نشاط ألمانيا بشكل ملحوظ في الحرب ضد تنظيم داعش في مناطق الصراعات لا سيما العراق وسوريا.
شمل ذلك، من بين أمور أخرى، توفير طائرات تورنادو للقيام برحلات استطلاع. يهدف بند جديد إلى إلزام الدول الأعضاء فعليًا بتقديم العون للدول التي تتعرض للهجوم. وتنص الفقرة الجديدة تحديدًا على ما يلي: “في حالة وقوع هجوم مسلح على أراضي دولة عضو، فإن الدول الأعضاء الأخرى مدينة لها بكل ما في وسعها من عون ومساعدة”.
شكوك حول استعداد ترامب للمساعدة.
قدم كريستودوليديس مثالًا على أسوأ السيناريوهات: “لنفترض أن فرنسا استندت إلى المادة 42.7: ما هي الدول التي ستكون أول من يستجيب لطلب الحكومة الفرنسية؟ ما هي احتياجات الحكومة أو الدولة التي تستند إلى المادة 42.7؟ سيتم تسجيل كل هذه النقاط في خطة عمل”. وأوضح أن الهدف هو وضع خطة قابلة للتنفيذ في حال استندت دولة عضو إلى المادة 42.7.
تولي قبرص، اهتمامًا خاصًا بهذا القرار نظرًا لموقعها الجغرافي في شرق البحر الأبيض المتوسط. وقد اشتد النقاش كذلك بسبب الشكوك حول ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيقدم العون لدول حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي تتعرض للهجوم، فمعظم الدول الأوروبية أعضاء في كل من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.
تُشير المعطيات الواردة تحوّل نوعي في بنية الأمن الأوروبي، يمكن قراءته استشرافيًا باعتباره بداية انتقال تدريجي من الاعتماد شبه الكامل على المظلة الأمريكية إلى محاولة بناء استقلالية استراتيجية أوروبية، وإن كانت لا تزال محدودة ومشروطة.
من المرجح أن يدفع تصاعد الشكوك حول التزام الولايات المتحدة، خاصة في ظل مواقف دونالد ترامب، الاتحاد الأوروبي إلى تسريع خطواته نحو تفعيل “الأمن الذاتي”.
غير أن هذا التوجه لن يكون قفزة سريعة، بل مسارًا تراكميًا، نظرا للفجوات البنيوية بين الدول الأوروبية، سواء من حيث القدرات العسكرية أو الإرادة السياسية. وبالتالي، سيظل الناتو إطارًا أمنيًا رئيسيًا، لكن مع تزايد محاولات “موازنته” أوروبيًا وليس استبداله.
توسيع نطاق المادة 42.7 يعكس إدراكًا أوروبيًا بأن التهديدات لم تعد تقليدية أو بعيدة جغرافيًا، بل أصبحت متعددة الأبعاد وقريبة من المجال الحيوي الأوروبي، سواء عبر الشرق الأوسط أو الجوار الشرقي.
قد تتحول هذه المادة من أداة رمزية إلى آلية تشغيلية فعلية، خاصة إذا تم ربطها بخطط جاهزة للتنفيذ، كما طُرح في الاجتماع الأوروبي. لكن نجاح ذلك سيعتمد على مدى قدرة الدول الأعضاء على توحيد قواعد الاشتباك وتحديد أولويات التهديد.
السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في “أوروبا متعددة السرعات أمنيًا”، حيث تتقدم دول مثل فرنسا وألمانيا في بناء قدرات مستقلة في مجالات مثل الدفاع الجوي، الاستخبارات، والقدرات السيبرانية، بينما تظل دول أخرى أكثر ارتباطًا بالولايات المتحدة. هذا التباين قد يخلق طبقات مختلفة من الالتزام داخل الاتحاد نفسه، ويؤثر على فعالية الاستجابة الجماعية.
في حال استمرار التوتر بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، قد نشهد إعادة تعريف لدور الناتو من تحالف دفاعي متماسك إلى منصة تنسيق مرنة، تعتمد على توافقات ظرفية بدل الالتزامات الصلبة. وهذا قد يفتح المجال أمام قوى أخرى، مثل روسيا والصين، لاستغلال أي فراغ استراتيجي أو انقسام غربي.
البعد الجغرافي سيكتسب أهمية متزايدة. فدول مثل قبرص واليونان وإيطاليا ستصبح نقاط ارتكاز في الاستراتيجية الأوروبية الجديدة، نظرًا لقربها من بؤر التوتر في الشرق الأوسط. وقد يدفع ذلك إلى تعزيز الوجود العسكري الأوروبي في شرق المتوسط، وربطه بأمن الطاقة والممرات البحرية.
رغم الطموح الأوروبي، فإن التحدي الأكبر سيظل في “الإرادة السياسية المشتركة”. فبدون توافق حقيقي على تعريف التهديدات وتقاسم الأعباء، ستبقى المبادرات الأوروبية عرضة للتباطؤ. وعليه، فإن المستقبل القريب قد يشهد حالة “انتقال غير مكتمل”: أوروبا أكثر استقلالًا مما كانت عليه، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى الفاعل الأمني الكامل القادر على العمل بمعزل عن الولايات المتحدة.


