
جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني
تقف الجغرافيا السياسية العالمية اليوم عند منعطف وجودي يعيد رسم خرائط النفوذ وتوازنات القوى بعيداً عن الرتابة الدبلوماسية المعهودة، وتتطابق المعطيات الميدانية الواردة من مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب مع الرؤى العميقة التي طرحها الخبير الصيني “جيانغ”، لترسم مشهداً يتجاوز حدود الصدام العسكري المباشر إلى صراع شامل يطال جوهر النظام المالي الدولي، إن القراءة المتأنية للتوجهات الأمريكية الحالية تظهر بوضوح حجم الفجوة بين طموح الحسم السريع الذي تتبناه إدارة ترامب، وبين واقع إقليمي معقد يراه الجانب الشرقي “فخاً استراتيجياً” قد يفضي إلى تبدلات جذرية في بنية القوى العالمية، حيث تتمحور استراتيجية الرئيس ترامب لإنهاء الصراع مع إيران حول مفهوم “القوة الساحقة” والحسم السريع.
وتراهن واشنطن على خطة زمنية تمتد لخمسة أسابيع، تهدف إلى تفكيك القدرات العسكرية والنووية الإيرانية عبر ضربات جوية مكثفة وعمليات نوعية، بعيداً عن الغزو البري الشامل الذي أثبت التاريخ كلفته الباهظة، ويضع ترامب “الاستسلام غير المشروط” شرطاً أساسياً لوقف العمليات، معتبراً أن تغيير النظام هو المدخل الوحيد لإعادة صياغة المنطقة، حيث يتم التداول بأسماء وشخصيات من المعارضة الإيرانية كخلفاء محتملين في طهران، هذا التوجه الأمريكي يسعى لتحقيق “نصر تكتيكي” سريع يضمن استقرار الجبهة الداخلية الأمريكية قبل انتخابات التجديد النصفي، ويمنع الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة.
وفي المقابل، يطرح البروفيسور “جيانغ” رؤية مغايرة تماماً، محذراً من أن الجغرافيا الإيرانية الوعرة، والكثافة السكانية، والاستعداد الذي دام لعقدين من الزمن، سيحول الطموح الأمريكي إلى مواجهة منهكة، ويرى جيانغ أن الانتصار العسكري السريع الذي يخطط له ترامب قد يتبخر ليتحول إلى صدام يمتد لسنوات، مشبهاً هذه الحملة بحملة صقلية في التاريخ القديم، حيث أدى الغرور العسكري إلى كارثة استراتيجية قوضت أسس الإمبراطورية، ويعتقد الخبير الصيني أن إيران تعتمد استراتيجية تجعل النصر الخاطف مستحيلاً، عبر استخدام سلاح المسيرات واستهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة، مما سيؤدي حكماً إلى انهيار ما وصفه بـ “فقاعة” الذكاء الاصطناعي وضرب قيمة “البترودولار” عالمياً، أما في تل أبيب، فإن القلق يسود من نظرية “وحدة الساحات” التي بدأت تتحقق ميدانياً.
ويرى المحللون أن إسرائيل تجد نفسها في الوضع الاستراتيجي الأخطر منذ تأسيسها، حيث تتعرض لهجمات متزامنة ومكثفة من إيران ولبنان واليمن، مما يهدد بشل منظومات الدفاع الجوي أمام كثافة النيران، وتسود في الغرف المظلمة مخاوف من أن تتحول استراتيجية “الهروب للأمام” التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية لجر واشنطن للتدخل المباشر إلى “انتحار استراتيجي”، فالتقارير تشير إلى أن استهداف البنية التحتية الحيوية من كهرباء وماء يضع الجبهة الداخلية الإسرائيلية تحت ضغط شعبي ونزوح جماعي غير مسبوق، في وقت قد تفرض فيه سياسة “أمريكا أولاً” على ترامب التراجع إذا بدأت المصالح الأمريكية المباشرة بالانهيار، وللالتفاف على هذا الواقع.
تبحث واشنطن وتل أبيب سيناريوهات “ماكرة” تتجاوز الأطر التقليدية للحرب، السيناريو الأول هو “قطع الرأس”، الذي يهدف لاستهداف القيادة العليا في طهران دفعة واحدة بالتزامن مع تحريك قوى داخلية لإحداث فوضى فورية، وهو رهان على أن النظام سيسقط عند أول ضربة نوعية، السيناريو الثاني يعتمد على “الأرض المحروقة الرقمية” عبر هجمات سيبرانية شاملة تعطل حياة المدنيين وتدفع نحو ثورة داخلية تشغل النظام عن إدارة المعارك الإقليمية، أما السيناريو الثالث، فيتمثل في إعداد “فخ مضاد” في لبنان، يهدف لاستدراج القوى المحلية إلى توغل بري ثم استخدام أسلحة “تدميرية ثقيلة” لفك الارتباط بين الجبهة اللبنانية وطهران، هذا التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي يدفع القوى الشرقية، روسيا والصين، نحو تدخل مباشر لحماية مصالحها، موسكو ترى في سقوط طهران وصولاً مباشراً لحلف الناتو إلى حدودها الجنوبية، لذا فإن ردها قد يشمل تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك وتزويد إيران بمنظومات دفاعية متطورة بإدارة روسية، فضلاً عن تحريك الأسطول في المتوسط لفرض حظر بحري يعيق الإمدادات الأمريكية.
أما الصين، فإن ردها يتركز في “الميدان المالي”، حيث يعتبر جيانغ أن البيع الجماعي لسندات الخزانة الأمريكية هو “السلاح النووي” الذي سيفقد الدولار قيمته ويقوض قدرة واشنطن على تمويل عملياتها العسكرية، مما يجبرها على التفاوض بشروط بكين وطهران، ميدانياً، تحول لبنان والعراق إلى ساحات استنزاف كبرى تماشياً مع توقعات جيانغ، وفي لبنان، أدى انخراط القوى المحلية في المواجهة واستهداف العمق الإسرائيلي بالمسيرات وصواريخ مكثفة إلى تشتيت القدرات الدفاعية الإسرائيلية، وسط محاولات لعمليات إنزال واشتباكات عنيفة عند الحدود والداخل، وفي العراق، أعلنت الفصائل الاستنفار لمواجهة الوجود الأمريكي، مما يجعل من هذه الساحات خطوط دفاع أولى تستنزف الموارد العسكرية قبل وصول الصراع إلى قلب إيران، وهو ما يحقق هدف قطع خطوط الإمداد وضرب الملاحة الدولية.
إن هذا المشهد الميداني يفرض واقعاً جديداً يتجاوز الحسابات التقليدية، حيث يبرز لبنان كحجر زاوية في كسر منطق “التفوق المطلق” الذي تسعى إسرائيل لفرضه عبر سياسة الغالب والمغلوب، وفي هذا السياق، يعتقد بعض اللبنانيين أن انخراط القوى المحلية في هذه المواجهة يمثل محاولة لتحسين شروط التفاوض والاتفاقات التي حاولت إسرائيل تجاوزها لفرض واقع جغرافي وديمغرافي جديد يهدد كيان الدولة وتوازنها الداخلي، ويرى هؤلاء أن الثبات في وجه أعباء النزوح والعدوان أدى إلى نشوء معادلات قوة واقعية فرضت نفسها على طاولات التفاوض.
مما جعل من الصعب تجاوز الدور الفاعل للقوى المحلية في صياغة أي ترتيبات مستقبلية للأمن الإقليمي، إلا أن الثابت في كل هذه القراءات هو أن الواقع اللبناني ومستقبله يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تضامن وطني عميق وتكاتف وثيق والالتفاف حول مؤسسات الدولة وبنائها، والنهوض بلبنان ككيان جامع بعد كل هذه الآلام والمخاضات والحروب، لضمان استقرار طويل الأمد يصون كرامة الإنسان وسيادة الأرض.


